.
هال وفلفل
*جريدة الخليج
حسن مدن:
لا يتعين على الطباخ الجيد أن يعتمد أبداً على وصفات الآخرين.
بعبارة بهذا المعنى خاطب طباخ ماهر ولداً سأله عن السر في لذة طبخه، وعن الطريقة التي اكتسب بها المهارة التي جعلت منه طباخاً ماهراً.
كم من الملح؟ كمم من الفلفل الأسود؟ أية أعشاب؟ إتقان الطبخ ليس مسألة تعلم، مع أن التعلم مهم، ولكنه يأتي بالغريزة. ذلك هو السر الوحيد في مهنتنا هكذا شرح الطباخ الماهر للصبي.
سأل الصبي المأخوذ بسحر كلام الطباخ: هل أنت عبقري أيها الطباخ؟.
رد الطباخ بلهجة واثقة منتصرة: بالطبع! وإلا لماذا أحدثك بهذا الحديث.
انظر إلى هذه الهريسة التي أطبخها الآن، بقيت هذه على النار طوال الليل. في الماضي كان الطباخون لا يستعملون سوى لحم الضأن، ولكنني كثيراً ما استخدم لحم العجل أو الدجاج أو البقر، لا لشيء إلا لتنويع النكهة.
في هذه الهريسة وضعت لحم عجل صغير كامل، وثلاثة أكواب من الأرز وأربعة أكواب من لب الحنطة وكوباً من الحمص، بعدئذ ملأت القدر بالماء وتركتها تطبخ طوال الليل، ولكن قبل مغادرة المطبخ وضعت بعض بذور الكزبرة الجافة وحبات من الهال الأسود في كيس صغير من الموسلين وطرحته في القدر.
ومع الصباح كان اللحم قد ذاب تماماً وأنا الآن أطحنه إلى عجينة، ثم أقلي البصل والفلفل الحار في سمن مصفى وأصبه على الهريسة، لكن البصلات ينبغي أن تحترق وأن تطفو في السمن المصفى، وربما أضفت عليه في مرة قادمة بضع بيضات مقلية بالسمن وأنثر عليها الأعشاب والفلفل الأسود.
كانت متعة الطباخ لا تضاهى وهو يشرح ما يعلمه. كان مقتنعاً أنه عبقري، وأنه يحقق أسطورته الذاتية من خلال إجادته للطبخ، وكانت تبهجه عبارات الثناء على ما يقوم به. كان محقاً في يقينه لأنه يجيد أمراً لا يجيده سواه بنفس الدقة وبنفس المواصفات.
هذا حكي، بتصرف، للباكستاني طارق علي في تحت ظلال الرمان.
وعذراً إن أثار الوصف أعلاه شهيتكم وأطلق مخيلتكم باتجاه الوجبة الآتية بعد ساعات من الآن.
لكن تذكروا أن الطباخ الجيد لا يعتمد أبداً على وصفات الآخرين.
إنه مثل الكاتب أو الفنان مطالب بأن يضيف بهاراته الخاصة، روحه الخاصة التي تجعله متفرداً.. وليس مجرد واحد من الآخرين.





رد مع اقتباس