"بيت القصيد" الدمشقي
مقال شوقي بزيع
الملحق الثقافي / دار الخليج
المسافة بين العاصمة اللبنانية بيروت والعاصمة السورية دمشق لا تتجاوز الكيلومترات المائة، أي أنها أقل بكثير من المسافة بين طرابلس وصور أو بين أي مدينتين رئيسيتين في واحدة من الكيانات العربية المترامية . ومع ذلك فإن لكل من المدينتين شخصيتها ونكهتها ونسقها العمراني وطريقة تفاعلها مع العصر . صحيح أن العولمة الوافدة منذ سنوات تتكفل بتقليص الفوارق بين المدينتين من حيث ازدياد عدد الجسور والأنفاق والمؤسسات المالية والأبراج الشاهقة، ومع ذلك تظل دمشق أقرب إلى هويتها العربية والتراثية وخاصة عبر محافظتها على أحيائها وأسواقها وبعض أسوارها القديمة، في حين أن بيروت بحكم تكوينها وموقعها على البحر المفتوح ودورها الثقافي والخدماتي، ذهبت بعيداً في المغامرة وباتت أقرب إلى المدن الكوزموبولينية المتعددة الهويات . وليس من قبيل المصادفة بالطبع أن يرى شعراء وأدباء سوريون كثر في بيروت ضالتهم وملاذهم منذ ستينات القرن الماضي ويشاركوا في صياغة معنى المدينة وإغناء ثقافتها، كما فعل نزار قباني وأدونيس ويوسف الخال ومحمد الماغوط وآخرون .
على أن ذلك الامتياز البيروتي السابق سرعان ما أخلى مكانه لتدجين المدينة وترويضها وإعادتها إلى الحظيرة العربية، وخاصة بعد أن تكفلت الحرب الأهلية الدامية على امتداد خمسة عشر عاماً ليس بتشويه المدينة العمراني وإزالة معالمها الجمالية القديمة فحسب، بل بتقليص مساحة المغامرة والتنوع والفرح تحت ضربات الغرائز الطائفية والمذهبية المستشرية . هكذا لم تعد بيروت الحاضنة الملائمة للكتاب والشعراء السوريين، وباتت العلاقة بين مثقفي المدينتين تقتصر على الزيارات العابرة المتصلة بالمهرجانات والأمسيات الأدبية والشعرية . كما أن التفاوت النسبي في مستوى الدخل بين البلدين الشقيقين جعل العلاقة أحياناً تقتصر على الجانب “الخدماتي” حيث يعمد العديد من المثقفين السوريين الى زيارة بيروت من أجل الحصول على البدلات المالية عن مقالاتهم المنشورة في الصحف اللبنانية .
قد يكون للسنوات الخمس الماضية بأحداثها السياسية الدراماتيكية أثر بالغ في تقليص العلاقة بين المثقفين السوريين واللبنانيين إلى حدودها الدنيا، ومع ذلك فإن المدينتين لم تكفا عن استنباط أساليب ومساحات مشتركة للتواصل والحراك المتبادلين . هكذا بتنا نجد نوعاً من المحاكاة بين المدينتين يعبر عن نفسه أحياناً عبر انتشار ظاهرة الحانات الثقافية الجديدة التي سبق أن أشرت إلى شقها البيروتي في إحدى المقالات . فمبوازاة حانة “جدل بيزنطي” التي تأسست في رأس بيروت قبل سنوات عمد الشاعر السوري لقمان ديركي مع مثقفين وشعراء آخرين، إلى اختيار حانة مماثلة وأوسع مساحة في أحد الفنادق الرئيسية لمدينة الأمويين . وإذ اختار لقمان لهذا الملتقى الثقافي الأسبوعي الذي يعقد مساء كل اثنين اسم “بيت القصيد” فقد بدا كأنه يحاكي أحد المفاهيم الشعرية التراثية التي ترى في كل قصيدة من القصائد ذروة إبداعية أو صورة حاذقة تختزل ببراعة ما يريد الشاعر قوله في قصيدته .
قبل أيام معدودة تسنت لي خلال زيارة إلى دمشق فرصة المشاركة في هذا “البيت” الذي سرعان ما نجح في اجتذاب مئات الكتاب السوريين والعرب في الحقبة الأخيرة، وخلافاً لما هو الأمر في حانات بيروت الضيقة والتي لا تتسع سوى لعدد قليل من الحضور، فقد فاجأني في دمشق ذلك الحشد غير المتوقع من الشعراء والكتاب والإعلاميين والمتابعين من مختلف المشارب والأعمار، إضافة إلى أن نسبة الإناث في القاعة كانت من الارتفاع بما يفوق مثيلتها في بيروت، وهي ظاهرة من الانفتاح اللافت لا بد من التوقف عندها . على أن أمسية “بيت القصيد” الطويلة بدت أشبه بسوق عكاظ شعري أو بنوع من “الهايد بارك” الذي يتعاقب على منصته الغث والسمين، الشاعر المكرس والشاعر الناشئ من دون أي تحرج يذكر . ففي الليلة التي قدّر لي حضورها في الحانة توالى على المنبر كل من: شوقي بغدادي وتمام هيندي ووائل سعد الدين ويوسف عبدالعزيز وكاتب هذه السطور، إضافة إلى مغني القدود الحلبية المعروف عبود بشير .
وبالمقارنة مع ما يجري في بيروت أجدني منحازاً إلى الصيغة البيروتية التي كانت في البداية مشابهة لما يتم في دمشق، ثم تحولت اللقاءات بعد ذلك إلى أمسيات مخصصة لشاعر أو كاتب بعينه، بما يشبه الاحتفاء أو التكريم، لكن الأمر الأكثر سلبية في هذا السياق يتعلق بالجانب الصحي من المسألة، حيث إن سحب الدخان المتصاعدة من لفافات المدخنين تكاد تحجب الرؤية بالكامل بين الحضور، وإذ أكتب الآن هذه المقالة من على سرير الإنفلونزا الحادة التي تحكمت بي في أعقاب الليلة الدمشقية، يحدوني بعض التفاؤل بتغير الأحوال في المستقبل القريب، حيث اتخذت السلطات السورية قراراً بمنع التدخين في الأماكن المتعلقة، هكذا يمكن للشعراء والمثقفين السوريين والزائرين أن يلتقوا في ضيافة الشعر والإبداع بعيداً عن التلوث المرضي الخانق .





رد مع اقتباس