بيت النجمة
مقال حبيب الصايغ
دار الخليج



وثير وواسع، ويضيف إلى ضوئه المستقيم كالشعاع ضوء نجمته . يخفت في النور، مع النور، حيناً، ويعود إلى طبيعته أحياناً، ويقف شاعر جاهلي أمام بيت النجمة، فيمزق معلقته، يرميها من شاهق إلى قاع البحر، ويقول بأعلى صوته وكأنه يبكي على طلل:




بيتها القش يفتح باباً على قمرين




وفي يدها كأسها كلما ثملت خربشت جانب الأفق وانقسمت نجمتين .




ذلك الحرف الأول من أبجدية النجمة وهي تأوي إلى بيتها البعيد في أقصى المدينة، خصوصاً في ليالي الشتاء .




الحرف التالي أن النجمة تسافر وحدها حتى لو كانت في صحبة مجموعة من النجوم . تسافر وتتكئ على عصاها إذا لزم الأمر، كما يفعل المسافر العجوز، لكن الفارق هائل: هنالك لا حدود، ولا مسافات ملغومة، ولا أسئلة لازمة وغير لازمة .




الحرف الآخر أن للنجمة أحلامها وكوابيسها كما للإنسان أحلامه . بعضها يتحقّق وأكثرها لا .




وفي الهزيع الأخير من الليل تبدأ مخاوف النجمة في الظهور . خوف النجوم يشبه اللعنة، ولا تفيد معه الحبوب المهدئة .




في الهزيع الأخير من الليل




ساءلت نجمة كلب جارتها ليحرسها من كوابيسها




كان منهمكاً في قراءة رمل المرايا




في الهزيع الأخير من الليل




في الهزيع الأخير من الويل .




وفي كل وقت تتحول النجمة وتتبدل . لا تبدل ملابسها حتى تتجدد أو تجدد شبابها كما نفعل، وإنما تبدل جلدها، وكلما بدلت النجمة جلدها، أضاءت أكثر، وشعّت أبعد، وأصبحت فريسة سهلة لصيادي الهزيع الأخير من الليل أو الويل .




النجمة في بيتها تحاول وتحاول . تبدأ وتنتهي وتبدأ . تشعر بنا ولا تشعر . تظل رابطة الجأش حيناً، ويختل توازنها أحياناً . تتكلم وتصمت، وتبقى رمز طبيعة ناطقة أبداً، ومقاومة بل أستاذة مقاومة:




تتناسل في ضوء عتمتها، أو تحاول، لكنها الآن تبهت أبعد حتى تكاد تموت .




وتومض ثانية لتصارع أقدارها نجمة العنكبوت .




تتناسل مثل السلالة حيناً، وتنسلّ مثل الشعاع .




ثم تذهب في دربها، غير عابئة، وهي ترعى خراف الضياع .