مدارات أخرى للفرح
مقال حسن مدن
دار الخليج
أية وعود من البهجة تخبئها لنا الغيوم؟ نحب قطائف الغيم تزين السماء، لأن الجو الغائم يأخذنا إلى مدارات أخرى، ويبعث على فرحٍ غامر لا ندرك كنهه ولا نمسك ببواعثه، للدرجة التي يدفعنا فيها إلى السؤال: منذ متى لم نشعر بالفرح، أذلك لأن هذه القطائف الرمادية الجذلى تدفع عنا ما انتابنا من إحساس بالغربة أو بالوحشة حيال عوالم أخذت تغتال فينا الفرح؟
أم لأنها تستعيد لحظات قابعة في الذاكرة، مثلاً كأمسية ذلك الخريف يوم كنت في بلادٍ غريبة، وكان المطر قد هدأ بعد جنون، وأنت في مقصورة الباخرة التي تمخر عباب النهر فقط من أجل تجول فيه بمن عليها من بشر، قاطعة النهر حتى أقصاه، متوقفة عند مدن تحمل شوارعها أسماء لا تحفظ؟ في ذلك الجو الغائم كان ثمة سحر، وفي الأوصال تدب نشوة لذيذة، شيء أشبه بالخدر الجميل لطفلٍ معافى صحا بعد نوم طويل .
كيف تستعاد اللحظة السعيدة؟ أيكفي مثلاً استعادة طقس تلك اللحظة، كأن تكون الطبيعة سخية كما هي الآن فتعيد تفاصيل المشهد الخارجي الذي طوق سعادة تلك السويعات البعيدة؟
ربما، ولكن السعادة تنبع كذلك من مكان ما في دواخل النفس، وإذ تقترن هذه الاستعادة للطقس الخارجي لذكرى مرت خاطفة، شأنه شأن كل اللحظات السعيدة أو الحلوة، وبين الانبعاث الداخلي لمشاعر الحنين المتوجة بحبٍ حاضر من قلب مدهش في حنانه ومن روح محيرة في الرقة والعذوبة والصفاء، فينتابك ذلك الشعور بأن جناحيك ينفردان طيراناً نحو سماوات بعيدة، حيث سكينة النفس والتوق للاندماج في حياة حقيقية تعين على مجابهة القسوة والخواء .
وإذ تصغي إلى النشيد المنبعث من الروح، ترانيم حب وتراتيل قصيدة شوق، تدرك أن الحياة سخية بمفاجآتها الحلوة، وتتذكر تلك الحكمة الذهبية التي أسداها الشيخ البغال في رواية “صخرة طانيوس” حين قال: “إذا سدت الأبواب في وجهك، فلا تقل في نفسك إن حياتك هي التي انتهت، ثمة حياة أخرى متلهفة على الابتداء، فأبحر عندئذ على متن سفينة، فثمة مدينة في انتظارك” .
هذا الجو الغائم يشعل اللهفة إلى مدارات أخرى، إلى مدن من نور، هناك حيث تهب صاعدة أنساغ الوجد، ويشع الدفء من العيون، حيث القصيدة من دون نهاية، ربما “لأن آخر الكلمات لا تأتيك، فأمسك عنك إرغام الكلام” .





رد مع اقتباس