البرنامج
مقال حبيب الصايغ
دار الخليج
أول الخيل هدهدة، وتتوارى الظلال عن الظلال، تاركة لما تبقى من النخل ما تبقى من الصهيل . ليس تداخل أدوار، لكنها الطبيعة تصمت بمقدار، وتتكلم بمقدار . تتحرك عند الضرورة، وترسم في الأرض القريبة كما في الأفق البعيد مكوناتها الخالدة . هي الحياة وقد شبكت اليد باليد، والساعد بالساعد، وانطلقت إلى انشغالاتها وعمر صحوها . الحياة أم الطبيعة وتوأمها، والإنسان سليل كل ذلك، وسليل عذابه وعذوبته:
أول الخيل هدهدة
آخر الخيل معركة، وتطير
إلى عين فارسها، وكأن البصيرة مسقط رأس البصير
والملاذ الأخير .
هكذا من سفر المكابدة إلى أسفار الرحيل المتدرج حينا، والمفاجئ إذ يتدفق عليك دفعة واحدة، تطوقك تجربتك يا غافل، فتحار إلى أقصاك، ولا تعرف إلى أين تذهب أو ماذا تقول .
جدران الكون الأربعة تحاصرك، ويحاصرك حلمك، ويحاصرك المطلق، ولم تكن في أي يوم من أيامك طفلاً عادياً . كنت ولداً شاهقاً خصوصاً حين تلعب بأقواس المطر، ثم كبرت قليلاً قليلاً، وكانت هواية هواياتك بعشرة الشواهد على قبور صحاراك، ثم العودة إلى مهدك وكأن شيئاً لم يكن .
من علّمك، أيها الولد الشاهق وكبرت سريعاً، على غفلة من يقظة عينيك، أن تتحمل لياليك المظلمة وحيداً إلا من قمر أكل الحوت نصفه؟
ومن كهف لذائذك إلى كهف مصائرك ورغائبك، كنت تنهض، وكلما نهضت فزت لياليك ونهاراتك معك، وفز معها سفح الخيبات، وجبل الندم، وذكريات شاحبة لا تكاد تبين من ألبومات طفولتك، ومعظمها اندثر إلا في مخيلتك .
تكويناتها، على الأغلب الأعم، في الأبيض والأسود، لكنها مثلك، تكوينات شاهقة، وتتحرك دائماً إلى أعلى الماء، فلا تنأى عن الظمأ إلا لتصل إلى ظمأ أشد .
فماذا فعلت بك، في نهاية المطاف، تجربتك أيها الغافل؟
دعها وراءك أو أمامك لا فرق، وانج بنفسك . تمسك بأية خشبة أو أمل، واحلم على كيفك، لكن مستفيداً من التقدم العلمي المذهل، خصوصاً في التقنية وأجهزة الحاسوب .





رد مع اقتباس