قصائد مجهولة ورسائل شخصية في ذكرى أمل دنقل
عبّرت أشعاره عن مرحلة حساسة في التاريخ العربي
حاجة زوجها الشاعر الراحل أمل دنقل، إلى “موت رحيم” فنزعت عن جسده كل ما يصله بالحياة، من أسباب واهية، لتشهد “الغرفة رقم 8” بمعهد الأورام بالقاهرة ميلاد أسطورة أمل دنقل، التي ظلت تكبر يوماً بعد يوم .
سبعة وعشرون عاماً مساحة زمنية كافية للنسيان، لكنها مع “أمل دنقل” إمعان في الحضور الكثيف، فلا تزال القصيدة قابلة للتداول، مادامت أسباب الرفض والغضب قائمة، لكن الجديد أن المؤسسة الثقافية الرسمية التي حاصرت القصيدة في حياة الشاعر صارت هي الأكثر ترويجاً لها، ففي أعقاب رحيل الشاعر في 21 مايو/ أيار 1983 بادرت مؤسسة روزاليوسف بطباعة أعمال الشاعر في مجلد واحد، باستثناء ديوانه “تعليق على ما حدث” وقصيدته الطويلة “أقوال جديدة عن حرب البسوس” التي اصطلح على تسميتها جماهيريا باسم “لا تصالح”، وأصدرت مجلة “إبداع” عدداً خاصاً عن الشاعر، وتوالت الاحتفاءات، إلى أن أقام المجلس الأعلى للثقافة في مصر مؤتمراً دولياً، استمر أربعة أيام، بمناسبة مرور عشرين عاماً على رحيله، إضافة إلى طباعة الأعمال الكاملة له وعدة كتب عنه و”شريط كاسيت” يتضمن قصائد بصوته، مع ملاحظة أن كل دواوين الشاعر الراحل صدرت طبعاتها الأولى في بيروت عن طريق داري “الآداب” و”العودة”، باستثناء ديوانه الأخير “أوراق الغرفة 8” الذي صدر بعد رحيله، لقد تحول أمل دنقل إلى أيقونة، أو وردة يحرص الكثيرون على أن يضعوها في “عروة الجاكيت” .
وإذا نحينا جانباً الاحتفاء الرسمي بالشاعر، فإن الاهتمام غير الرسمي به لم ينقطع، حتى لحظة كتابة هذه السطور، فهناك فيلم تسجيلي عنه بعنوان “سيرة أمل دنقل” انتهى المخرجان أيمن جازوي وكرستينا بوكللي من تصويره، هذا بخلاف فيلم “الجنوبي” المعروف الذي أعدته وأخرجته عطيات الأبنودي .
الشاعر رفعت سلام انتهى من كتابة دراسة نقدية مطولة، من المقرر أن تتصدر صفحات ديوان مجهول لأمل دنقل، تعد قصائده من بواكير أعماله، اكتشفه شقيقه ودفع به إلى “سلام”، لكن اختلافا حول قيمة التجربة فنياً، وحق بعض الورثة في نشر ما رفض الشاعر إصداره في حياته، يحول دون طباعة الديوان إلى الآن .
نشرت جريدة “البديل” المصرية التي تعطلت عن الصدور، نصا مسرحيا لأمل دنقل، يعد اكتشافا في ذاته، ما يعني أنه لا تزال هناك جوانب خفية في سيرة هذا الشاعر، ويعني أيضا أن القيمة لا تموت، فالشاعر الذي كانت توزع قصيدته “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” كمنشور سري صار متاحا للجميع .
في إحدى قرى صعيد مصر ولد أمل دنقل يوم 23 يونيو/ حزيران 1940 لرجل دين، تعلم في الأزهر الشريف، وكون مكتبة تضم كتب الشعر والأدب، ومنها تشكلت ثقافة دنقل، إذ سرعان ما غادر الأب الحياة، وكان الابن عمره آنذاك عشر سنوات، رحل الأب وترك للابن وعياً مثالياً، وخشونة في الأداء، وصلابة في اتخاذ المواقف .
أحب أمل دنقل في مراهقته أن يكون قاصا أو روائيا، لكنه في السادسة عشرة من عمره، خاض تجربة عاطفية، كان الشعر أقرب الوسائل للتعبير عنها، وعرض هذه التجارب المكتوبة على معلم اللغة العربية، الذي قال له: “لن تكون شاعرًا أبدًا” فدفعه التحدي إلى مواصلة الطريق .
سأل بعض المهتمين بالشعر فقيل له إن العرب كانت تقول: “من حفظ ألف بيت صار شاعراً”، فأخذ يستعير الدواوين من المكتبات العامة، ولما كان الاحتفاظ بها صعباً، أخذ يستنسخها بخطه الجميل، وتكونت لديه كراسات تحوي قصائد للمتنبي وامرئ القيس وأبونواس والبحتري وشوقي وحافظ ومطران وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي ومحمود حسن إسماعيل .
إلى القاهرة شد شاعرنا الرحال للالتحاق بالجامعة، التي سيتركها تماماً، قبل أن يستكمل سنوات الدراسة بها، ويتردد على المقاهي والمنتديات الأدبية، وفي ذلك الوقت تأثر كثيرا بالشاعر محمود حسن إسماعيل، وبدأ يقترب من صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي، ونشر أولى قصائده في جريدة “الأهرام” عام ،1961 وكانت معركة حامية الوطيس تشتعل آنذاك بين أنصار الجديد، وكلهم شعراء شباب، وبين دعاة المحافظة على القديم، ويتزعمهم العقاد .
في ذلك التوقيت شارك أمل دنقل في مسابقة المجلس الأعلى للفنون والآداب بقصيدة عمودية، فازت بالمركز الأول، لم يكن الفوز هدف الشاعر، لكنه أراد أن يبطل حجة التقليديين التي تقول إن دعاة الشعر الجديد لجأوا إلى هدم العمود الشعري لعجزهم عن الكتابة به .
انقطع أمل دنقل عن كتابة الشعر من العام 1963 إلى ،1966 وفي أحد حواراته يصف تلك الفترة قائلاً: “كنت قد مللت كل شيء، لقد وصلت إلى حالة الفراغ العاطفي الكامل، وصلت إلى حافة الانتحار، وخاصة أنني كنت قد انتقلت إلى مدينة السويس، وهي كأي مدينة صناعية، تعيش تناقضات رئيسية وعميقة، فرضتها الصناعة على أناس ينحدرون جميعاً من أصل ريفي، ولم يكن في السويس أي جو أدبي أو ثقافي، حاولت أن أجمع بعض الشباب من المهتمين بالأدب والثقافة، ولكنهم كانوا دون مستوى النضج، ومن هنا كان قراري بالانتحار في نهاية تلك الفترة، ولكنني سألت نفسي سؤالاً: إذا كنت أنوي الانتحار فلماذا لا أنتحر بطريقة أخرى، أي أن أعود إلى الكتابة، وأقول رأيي، وليكن ما يكون؟! وتمثلت بيت الشعر: “أنت إن سكت مت وإن نطقت مت فقلها ومت” .
وعاد الشاعر إلى القاهرة، كانت طبول حرب يونيو/ حزيران تدق، فأدرك أن الهزيمة محققة، وبعد قرار وقف إطلاق النار، كتب قصيدته الشهيرة “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” وكانت البداية الحقيقية للشاعر، فقد انتشرت القصيدة بين الشباب، خاصة عندما اعترضت الرقابة على نشرها، وصدر ديوانه الأول في دار الآداب ببيروت عام 1969 بعنوان القصيدة ذاتها .
في العام 1972 كان طلاب جامعة القاهرة، في اعتصام مفتوح بميدان التحرير، يطالبون بإعلان الحرب على دولة الكيان الصهيوني، خصوصاً بعدما رأوا مماطلة القيادة السياسية وميوعة لغة الإعلام، فهذا العام عام اللاسلم واللاحرب تارة، وعام الضباب تارة أخرى .
قاوم الطلاب المعتصمون في الميدان برد الشتاء إلى أن فرقتهم قوات الأمن، وكتب أمل دنقل قصيدته “أغنية الكعكة الحجرية” عن هذا المشهد، ونشرها في مجلة “سنابل” التي كان يديرها الشاعر محمد عفيفي مطر، وبسببها تم إغلاق المجلة، وحرمان الشاعر من مباشرة حقوقه السياسية، بطرده من عضوية الاتحاد الاشتراكي، التنظيم السياسي الوحيد في البلاد، ومن المضحك أنه لم يكن عضوا في هذا التنظيم ولا في غيره من التنظيمات السرية أو العلنية .
“إن الشعر في جوهره هو إعادة اكتشاف للعالم المحيط بك، ثم إعادة بنائه، كما يجب أن يكون، والشاعر لا يستطيع أن يرى العالم المحيط به بعين غير عينه، وبالتالي لا يستطيع أن يكتشف العالم اكتشافاً حقيقياً، إلا إذا ارتبط هو نفسه بالواقع الذي يراه” .
كانت تلك هي رؤية أمل دنقل لجوهر الشعر، وهذا ما كان يجعله يندهش دائما من الشعراء، الذين يكتبون قصائدهم لكوبا وفيتنام، عن “جيفارا” “وهو شي منه”، وغيرهما من رموز حركات التحرر العالمية، في خمسينات القرن الماضي، كان يندهش من أولئك الشعراء، الذين “لم يلتفتوا إلى الجماهير البسيطة، التي تخوض نضالاً مستميتاً في الأرض المحتلة، لا ضد “الإسرائيليين” فحسب، بل ضد كل انعكاسات الواقع العربي المتخلف”، لذلك سنقرأ لأمل دنقل قصيدته عن “مازن جودت أبوغزالة” الشاب الفلسطيني الذي ترك دراسته في هندسة القاهرة، ليستشهد دفاعا عن أرضه المحتلة، وعن “صلاح حسين” الذي دفع حياته ثمنا للدفاع عن أرضه في “كمشيش” إحدى قرى محافظة المنوفية ضد الإقطاع في بدايات ثورة 23 يوليو/ تموز 1952 .
هذا الوعي الحاد بجوهر الشعر، طبقاً لرؤية أمل دنقل النضالية، هو ما دفعه إلى استلهام التراث العربي والإسلامي، في الوقت الذي كانت تحتشد فيه قصائد مجايليه برموز غربية، هذا الوعي دفعه أيضاً إلى إدارة الظهر لتراثه الفرعوني، لأنه لا يعيش في وجدان الناس .
كان أمل دنقل مهموماً بإعادة اكتشاف الجمال الموجود في الواقع، والذي يراه ويعيشه، لم يكن معنياً باستعارة واقع الآخرين، ومن ثم يلبسه ثوباً شعرياً عربياً، لذلك اتهم البعض قصيدته بالمباشرة والتقريرية، من دون أن يتوقف هؤلاء أمام مفهوم الشعر عند أمل دنقل، فحسبما يرى فإن للشعر والشاعر وظيفة اجتماعية، وهي وظيفة معارضة، وكما كان يقول: “فالشاعر يجب أن يكون رافضاً للواقع، حتى لو كان هذا الواقع جيداً، لأنه يحلم بواقع أفضل منه” .
كان أمل دنقل ينتمي إلى فصيلة شعراء العمر القصير، منذ طرفة بن العبد إلى أبي القاسم الشابي وغيرهما، فالشاعر الذي مات وله من العمر 43 عاما جعل الكثيرين يتساءلون: ماذا لو كان الله أعطى له “بسطة” في العمر؟ ومثل هؤلاء لا يدرون أن الطاقة الشعرية داخل أي شاعر تتقد جذوتها في هذه المرحلة من العمر، وما دون ذلك فلن يكون سوى اجترارات ذاتية، إن شعراء العمر القصير أقرب إلى الشهاب، الذي يفرغ حمولته الضوئية في لمحة خاطفة .
وطرح السؤال على هذا النحو لا يبتعد كثيراً عن المبالغات التي صاحبت موت الشاعر في العام ،1983 حين كتب شاعر عراقي كبير “لقد فقد الشعر المصري أمله في تطور الخطوة التالية لصلاح عبدالصبور تطوراً حاسماً، ولسوف ينتظر الشعر المصري طويلاً حتى يبزغ فيه شاعر له سمات أمل دنقل الأساسية” .
وهي المبالغات التي قادت يوسف إدريس لأن يكتب بعد أيام من رحيل أمل دنقل “أيها السادة . . نحن في حضرة عبقرية انتهت حياتها منذ أيام، وإلى ألف عام من الآن، إلى مسافة كالتي كانت بين المتنبي ودنقل، سنظل ننتظرها ولن أطلب منكم الوقوف حداداً، فنحن إذا وقفنا حداداً سيكون الحداد على عصر طويل قادم” .






رد مع اقتباس