فاطمة حمد المزروعي: انا الساردة لا بطلة القصة... وبعض كاتبات الرواية العربيات يستعجلن الكتابة

كاتبة وبرلمانية اماراتية وزوجها قارئ كتبها الأول

* القـدس العـربي







المرأة الإماراتية ونجاحاتها في مختلف ميادين العلم والعمل وظهورها المتميز في عدة مجالات يثبت يوما بعد يوم أن دورها في التربية والإبداع والبناء الحضاري أكثر من كون المرأة نصف المجتمع، وهي قادرة على تحقيق ما يفيد وطنها ومجتمعها.

لقاؤنا اليوم مع الأديبة الدكتورة فاطمة حمد المزروعي وهي عضو في المجلس الوطني الإماراتي عملت على طرح قضايا هامة تخص المجتمع وتطوره وسير عجلته نحو الأفضل، قاصة متميزة بقلمها وبأبحاثها في الأدب العربي القديم وكان لها كتاب ' المنافرات' حيث بحثت وحللت وأوضحت طرقه وأسبابه، وبذلك أضافت شيئا هاما للمكتبة العربية. وهي أم ترعى أطفالها بالحب والعلم والمعرفة وبكل ما ينمي ويبني شخصياتهم كي يستطيعوا تحديد تطلعاتهم المستقبلية ويشقوا طريقهم بوعي وثقة حتى يصلوا إلى غاياتهم بسهولة، زوجة محبة وصديقة لزوجها الأديب والشاعر وهو قارئ كتاباتها الأول كما تقرأ كتاباته، وهما يتبادلان الرأي بكل ما يبدعان من أدب.

* دكتورة فاطمة لك حضور متميز في القصة القصيرة، وهي من أصعب فنون الكتابة لأنها تعبر عن حالة نفسية أو اجتماعية قلقة وتجربة حاسمة في الحياة حيث يلتقط الكاتب لحظة هامة وشخصية معينة في ذروة المشكلة التي يعانيها، راسما تلك المعاناة بعبارات موجزة وصور فنية مكثفة حتى يصل بها إلى قرار مريح وحل مقنع.

* القصة القصيرة هي جزء من الحياة وهي قد تكون لحظة من الحياة يقتنصها الكاتب ولكنه لا يأخذها كما حدثت فعليا في الحياة كمادة خام. الدافع لدي لكتابة القصة القصيرة هو التعبير عن ذاتي، وعن المجتمع، وعن رؤيتي للحياة وللكون في لحظة ما. أنا أكتب كي أعبر عن هذا المجتمع والذي أنا جزء منه، أعيش فيه وأتأثر به، وهناك أشياء من الممكن أن تعجب الشخص ومن الممكن ألا تعجبه، فبالتالي الكاتب يقوم بتسجيل هذه الأمور، ليس تسجيلا بالمعنى الاجتماعي، فأنا في القصة لا أهتم فقط بأن أسرد سردا اجتماعيا، وإنما أهتم بالعوالم النفسية التي يعيشها أبناء المجتمع والتغيرات التي تحدث، فيكون عملي عبارة عن قراءة للذات والمجتمع.

* قصة وجه الشبه أخذتها الكاتبة على الراوية في القصة، بينما من الممكن أن يكون التشابه في بعض الحالات السياسية، حيث أن هناك بعض الرؤساء كان لديهم ما يتشابهون به، لماذا كان الاختيار على الأنا الخاصة بالكاتبة؟

* لقد استخدمت ضمير المتكلم (الأنا) ولكني لم أكن أعني فاطمة حمد بالتأكيد، ربما هناك بعض التقاطعات والتشابهات ولكني لست بطلة القصة. هي الأنا الساردة ولست أنا فهناك فاصل بيننا، التشابه هنا هو تشابه ذات وآخر أي اثنين، إن كان اقتصاديا أم سياسيا وغيره، هو التشابه بين عالمين مختلفين الأنا والآخر. التشابه الذي كان بين الأنا الساردة أو الكاتبة الراوية للقصة والأخرى هو تشابه أدى إلى اختلاط وتماثل، حيث أن الراوية لم تستطع أن تفصل نفسها عن الأخرى، ولم تستطع أن تميز من هي ومن الأخرى، فكيف هو الحال بالنسبة للآخرين؟ هناك مقطع في القصة تتوقف عنده الراوية و تقول هل هذه توأمي؟ ووالدتي لو كانت موجودة فلن تستطيع أن تفرق بيننا. نقصد من وراء هذا أن المجتمع وبسبب الاختلاط، وأنا أتحدث عن العالم ككل وليس مجتمعنا فحسب، فالعالم كله تأثر بالعولمة. الآن نجد أمريكيين من أصول يابانية ومن أصول هندية ومن كل الجنسيات، فهذا الخلط العجيب والذي هو إفراز من إفرازات العولمة والتنقل وحركة التجارة وغيرها، كل هذا أثر في كل جوانب الحياة. التشابك يؤدي ليس إلى ارتباك في حالة الناس من السياسيين والاقتصاديين والأشخاص العاديين، وإنما هو ارتباك عند الراوية نفسها، وهذه هي المشكلة.


* في القصة القصيرة والأدب العربي، يلاحظ تراجع على مستوى القصة القصيرة كما هو الحال على مستوى الشعر أمام الكتابة الروائية، ما هي الأسباب برأيك؟ وهل تفكرين بعمل روائي؟

* أنا لا أعتقد أن هناك تراجعا في القصة القصيرة. فقبل عشر سنوات كانوا يقولون عصر الرواية، لكن القصة القصيرة تقدمت بشكل مختلف، ولا أستطيع أن أعمم وأتحدث عن العالم العربي. أنا أتحدث عن الإمارات حيث القصة القصيرة قفزت، ولدينا ظهرت أسماء قصصية مميزة. اعتقد أنه بعد سنة 2000، هناك طفرة وتحول في القصة القصيرة، إن كان على سبيل التقنيات أو الأسلوب والموضوعات، هناك اختلاف في كل شيء. بالنسبة للرواية، للناشرين دور في إشاعة بعض العبارات مثل زمن الرواية وعصر الرواية وهما بالمناسبة اسمان لكتابين صدرا، ومن ثم أخذ معظم الناس يرددون ذلك. أعتقد القصة القصيرة أصبحت بعد الألفين مميزة ومختلفة. خاصة في المغرب العربي وعمان، وفي الإمارات هناك أسماء مميزة لديهم شيء جديد يضيفونه رغم أن بعضهم لا يشارك في الندوات واللقاءات العامة لسبب أو لآخر.


* المرأة الإماراتية تميزت بالإبداع خاصة في مجال الشعر والقصة القصيرة، ما هي أسباب هذا التميز برأيك؟ هل هي العناية الرسمية بالمرأة أم هي الحياة المرفهة المتوفرة لها واهتمامها بالمجتمع وقضاياه والذي هو دافع لاهتمامها بالقصة والشعر؟

* اهتمام المرأة بالقصة يتجلى من حيث أن القصة تعبير عن النفس والذات وعن التغيرات التي تحدث وإيمان المرأة بالكتابة. في قضية الكتابة بالذات نجد أن بعض الكاتبات والكتاب يبدأ بالكتابة بمجموعة أو مجموعتين قصصيتين ثم يتوقف، فكثيرون ممن بدأوا في الإمارات مع بداية اتحاد الإمارات في السبعينيات والثمانينيات توقفوا. ربما أخذتهم الحياة سواء أعمالهم أو الدراسة، ولكنّ هناك جيلا ً حالياً موجوداً سواء من المؤسسين أم من الجيل الجديد ما زال يرفد الساحة الأدبية. بعض الكاتبات بدأن بالشعر وانتهين بالرواية، وهذا من حق أي كاتب. لدينا مثلا سارة الجروان أصدرت أكثر من عمل، ولدينا أيضا ابتسام المعلا من الكاتبات المميزات، نشرت في نهاية الثمانينيات إلى 2008 حيث صدرت مجموعتها القصصية ' ضوء يذهب إلى النوم'. لدينا عدد من الكاتبات يكتبن باستمرار، وذلك بسبب عدة عوامل منها الدعم الكبير في الإمارات للعمل الثقافي والدعم المستمر والقوي للمرأة في جميع النواحي. لكن أظن أن الدوافع الشخصية والحافز للاستمرار هو أمر مهم، بالإضافة لوجود تشجيع للمبدعين فهناك جهات كثيرة تنشر لهم، مثلا: في هيئة أبو ظبي للثقافة لدينا ' قلم' ينشر للكتاب والكاتبات وخاصة الجدد، وفي دبي مؤسسة محمد بن راشد أيضا تنشر في مشروع ' اكتب'، وزارة الثقافة أيضا نشرت كثيرا للكتاب الجدد، بالإضافة إلى دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة. إذاً، لدينا الكثير من الجهات التي تساهم، لكن الزمن هو الذي سيفرز من سيبقى في الساحة، فالكتابة لا بد لها من الاستمرارية وهي عملية هامة جدا. الكاتب من الممكن أن يكتب مجموعة قصصية ويجلس شهورا ولا يكتب عنها كلمة، ويجلس مدة طويلة ينتظر كي يدعى لأمسية أو مهرجان، وهذا يحصل بشكل كبير في الإمارات. وأيضا هناك جهات كثيرة في الإمارات تدفع وتساعد في عملية النشر والتسويق كنوع من التشجيع، وبالتالي يطبع الكتاب مجانا، هذا أيضا عامل من العوامل المشجعة على النشر. قد تكون في الدول الأخرى، الناحية المادية تشكل مشكلة بالنسبة للكاتب وقد تعيقه عن نشر كتابه، ولكن أعتقد أنه بوجود المجلات والإنترنت يمكن التغلب على هذه المشكلة، لكن مشكلة الكتاب العربي لدينا تتجلى في سوء التوزيع على المستوى المحلي والعربي. والرفاهية ليست حافزا على الكتابة ولكنها تساعد الكاتب على الكتابة والنشر بسبب توافر عنصر الوقت، ولكن لا تساعده على الاستمرار وخاصة بالنسبة للعمل الكتابي.


* في السعودية نشطت الرواية وتميزت بها المرأة السعودية وظهرت أسماء مبدعة، لماذا تميزت السعودية بالرواية والإمارات بالشعر والقصة القصيرة؟ هل من وجهة نظرك أن المجتمع بتأثيراته هو من يدفع الكاتب والأديب إلى التخصص بنوع محدد من الأدب؟

* لا أعتقد أن هذا هو السبب فقط، بل هناك الأسباب التي تتعلق بالأديب مباشرة. الرواية تحتاج لبال طويل ولصبر وتأن ولقراءة بعد قراءة، هي تحتاج للكثير من العمق والتأني. القصة القصيرة عميقة مقارنة بالرواية، لكن العمل الروائي يأخذ وقتا من الأديب، وهناك بعض الروايات تحتاج لقراءة وبحث، خاصة أن الأديب سيكتب عن شيء وقع قبل عشرين أو ثلاثين سنة، أي في فترة هو لم يعشها، فبالتالي إن كان سيقف في روايته على جانب تاريخي فلا بد أن يعود ويقرأ.

في السعودية لا أعتقد أن الأمر يتعلق بالحرية ومساحتها،ربما تكون هناك بعض الضغوطات في السعودية تدفع المرأة للتعبير عن ذاتها بالكتابة، وخاصة في كتابة الرواية وفي بعض المضامين المحددة بشكل كبير، اللهم إلا الكاتبات الجيدات مثل ليلى الجهني، هي روائية مميزة. ونلاحظ أنه بين الرواية والرواية لديها فترة زمنية، وهي لا تعمل تحت الأضواء أي أن نجاح رواية لا يدفعها لكتابة رواية ثانية بسرعة، وبالتالي تستسهل الكتابة. هي فعلا كاتبة قديرة متأنية تمتلك أدواتها.

في الفترة الماضية لاحظنا بعض زيادة عدد الروائيات العربيات ، بالنسبة لي أعتقد أن بعض الروايات كتبت على استعجال.

* هل الكاتب ضمير مجتمع مسكون بالقلق والأمل ليعبر عما يعيشه ويراه؟

* نعم، ولا بد من أن أذكر عبارة سعد الله ونوس (نحن محكومون بالأمل). صحيح أن الكاتب يكتب حروفه من ماء ونار، وهناك آلام وأشياء كثيرة من المنغصات يشاهدها في الحياة، وكثير من الأمور يتمنى الإنسان أن تسير بشكل أفضل، لكن في المقابل هناك ألف وردة تتفتح في هذا الوقت، وألف طفل يولد، وآلاف من القلوب تلتقي وتتحاب، بالتالي نحن محكومون بالأمل بقدر ما يجد الكاتب من آلام ومن غيرها، لكنه هو ضمير المجتمع، هو مسكون بالقلق لأنه لا يرضى بالثبات والبقاء فذلك يعني الجمود والركود. الأديب يريد للحياة أن تتحرك، وللأمور أن تتطور إلى الأفضل'.


* كيف تنظرين إلى موقع الأدب العربي بهذا الوقت، هل ترين أن هناك تهميشا للثقافة العربية في ظل العولمة؟ وإن كان هذا التهميش موجودا بالفعل، هل برأيك هو دليل على تراجع ونقص وعينا بثقافتنا؟


* لا نجد تهميشا بمعنى حقيقي، ولكننا نجد في كل المجتمعات وفي فترات ما قد يغلب شيء على شيء، وقد يطبع شيء لفترة ولكنه لا يثبت لأن الثبات للشيء الحقيقي الذي يعبر عن هوية الإنسان. حاليا نجد بسبب العولمة، وبسبب عدة ظروف، الطغيان للغة الإنكليزية في التدريس والواقع المعاش، لكن في المقابل هناك الكثير من الاهتمام باللغة العربية وبالثقافة العربية. لو مثلا أتينا للإمارات لوجدنا أن العمل الثقافي ناشط جدا والحراك الثقافي كبير جدا، كل إمارة تقدم شيئا مختلفا للثقافة إن كان على مستوى الإمارات أو على مستوى الوطن العربي. إمارة أبو ظبي مثلا تهتم جدا بالثقافة والتراث، ومن ذلك الاهتمام بصناعة الكتاب وتشجيع الكتاب على النشر والأطفال على القراءة، وهذا مستمر طوال العام. وتركز على البرامج الثقافية، فلدينا برنامج ' أمير الشعراء'، وبرنامج ' شاعر المليون'، وهناك معرض الكتاب والمعارض الفنية، هناك حركة مستمرة في أبو ظبي لا تنقطع. وفي الجانب الفني وخاصة الموسيقي هناك الكثير من المطربين يزورون العاصمة وتقام المحاضرات والندوات النقاشية بين المثقفين على مستوى العالم وسابقا، مثلا في الثمانينيات لو بحثنا في أبو ظبي لربما وجدنا مكانا واحدا يقوم بدور كبير للفعاليات وفي أبوظبي فقط، ولكن نجد الآن عدة أماكن مثل المنطقة الشرقية والغربية في إمارة أبوظبي تساهمان بدور فعال. أيضا إمارة دبي نجد فيها ' ندوة الثقافة والعلوم' و' هيئة دبي للثقافة' تقومان بأنشطة متميزة. وإذا انتقلنا للشارقة سنجد ' أيام الشارقة المسرحية' والاهتمام بالخط العربي والفن التشكيلي، وهناك مؤتمرات وملتقيات أدبية في الشارقة مخصصة للقصة والسرد والشعر وأمور كثيرة يصعب حصرها. كذلك في عجمان، هناك دائرة الثقافة والإعلام وأنشطتها مختلفة. ولو أتينا للموضوعات والمحاور المطروحة في عجمان نجد أنها غير مكررة، وهذا أهم شيء وهي تهتم بجمهورها وضيوفها، وهي قادرة على جذب عدد كبير من الجماهير. بالتالي لا يوجد لدينا تكرار، والشخص يحتار أين سيذهب إلى أبو ظبي أم دبي أم باقي الإمارات حيث يكون هناك أكثر من فعالية، وهذا أمر مميز يتيح للجميع في كل الإمارات حضور الفعاليات والأنشطة، لكن سابقا كانت لدينا الفعاليات الثقافية متركزة في بعض الإمارات فقط. لا بد لي من ذكر اتحاد كتاب وأدباء الإمارات لأن لهم دورا كبيرا منذ تأسيسه وحتى الآن. وبعض فعالياتهم تكون بالتنسيق مع وزارة الثقافة وهذا أمر مهم. وإضافة إلى ذلك فإن وزارة الثقافة نشطة جدا في بعض الإمارات التي لا يوجد فيها مركز ثقافي محلي.


* ما هو الهدف في بحثك القيم في كتاب ' المنافرات'؟

* أنا حاصلة على ماجستير في النقد القديم وأيضا حاصلة على ماجستير في الأدب الجاهلي، عندما أتيت كي أكتب بحثا في الأدب الجاهلي أثناء الماجستير، دارت بيني وبين المرحوم الدكتور إحسان عباس حوارات فاقترح علي الفكرة، قال: سأعطيك موضوعا لم يكتب أحد فيه من قبل، فقلت له: هذا ما أريد، فأنا لا أحب أن أكرر أعمال الآخرين، أحب أن أكون متميزة دوما في عملي وحياتي أكاديميا وأدبيا، فاقترح عليّ موضوع ' المنافرات' وقال لي: لكنك ستتعبين، فقلت له: أنا موافقة. لقد كنت أعمل على مدار الأربع وعشرين ساعة وقد كان طفلي البكر صغيرا، أخذت الموضوع كنوع من التحدي ونوع من الحب حيث كانت لدي رغبة في أن أضيف شيئا إلى المكتبة العربية. لا يوجد لدينا شيء عن ' المنافرات' اللهم إلا كتاب صغير عبارة عن دراسة لمنافرة واحدة مشهورة.. أنا جمعت النصوص من كل مكان، وأحيانا كنت أرجع لكتاب في التاريخ أجد فيه سطرا واحدا، أتعب كل الوقت كي أحصل على هذا السطر، فعملت نوعا من التشييد لأن موقف الإسلام لم يسمح باستمرار المنافرات فمنعها. لنتخيل الثقافة الإسلامية والذين جمعوا النصوص والروايات .عندما يأتون لشيء منعه الإسلام، فهم يتجنبونه إلا ما ندر. لذلك جمعت ما تناثر في كتب الأدب وكتب التاريخ وفي كتب السيرة النبوية وفي الأحاديث، فبالتالي كنت كمن يبحث عن إبرة في كومة قش، كنت أجمع هذه النصوص وأحللها، ثم قمت بدراسة للقصائد المتعلقة بالمنافرات واستخلصت أسباب المنافرات، ودرست تاريخها وأسبابها الرئيسية والثانوية وظروفها والطقوس التي تقام فيها. وفعلا المنافرات تعتبر فنا نثريا، ولكن أعتقد أنه يجمع كل الفنون العربية، فهو يدخل فيه الشعر والمثل والقصص، وبالتالي هو جمع كل الفنون العربية من خلال المنافرات لأنها عبارة عن نوع من مهرجان. لو توقفنا عند كلمة مهرجان سنجد أن تحكيم المنافرات كان في الأسواق حيث كان هناك سوق عكاظ وغيره، وفي داخل هذه الأسواق كانت تخطب النساء ويلقي الشعراء قصائدهم، ويخطب الخطباء، وتتم حركة البيع والشراء أيضا. أصحاب المنافرات يأتون إلى الحكام لأنه لا بد في المنافرة من تحكيم، فالمنافرة هي المحاكمة في النسب أي هي اختلاف شخصين أيهما أفضل من الآخر في النسب، لذلك حرمها الإسلام على أساس التفاضل بين الناس هو بالعمل وليس بالأنساب. فكانوا يأتون ويتفاخرون إما إلى الكاهن أو يذهبون إلى أحد الحكماء.وأما قبيلة قريش فقد كانت تذهب إلى الكهان لأنها لا ترى أحدا يساويها عقلا وحكمة، وبالتالي لا تذهب لمشورة الحكماء بل كانوا يذهبون إلى الكهان. أما باقي القبائل فكانوا يذهبون إلى الحكماء وبعضهم إلى الكهان، وبالتالي يفصلون بين المتنافرين. الفصل بالمنافرة يكون إما بتغليب أحد الطرفين أو المساواة بينهما أو إحالتهما إلى حكم آخر أو إلى كاهن، منعا من أن يحدث اقتتال بين الطرفين المتنازعين، وهذا من ضمن أسباب منع الإسلام لها أن المنافرات قد تؤدي في بعض الأحيان إلى الحروب، ومعظم القبائل كانت تحاول منع المنافرة من البداية.


* شعر الصعاليك هل اطلعت عليه أثناء بحثك في المنافرات وهل اقتربت منه؟ وكم أخذ منك كتاب المنافرات من الوقت؟

* لم أتطرق إلى شعر الصعاليك في كتابي لأنه بعيد عن موضوعي، ولكنني أقرأ أشعارهم. أخذ مني تحضير الكتاب تقريبا ثمانية أشهر كنت أعمل فيها طوال الوقت وإجمالا استغرق سنة للانتهاء فعليا منه، ثم طبعته عن طريق هيئة الثقافة والتراث بأبوظبي .


* من خلال دراستك لعصر ما قبل الإسلام، لماذا وصلنا تراث شعري كثيف بينما لم يصلنا إلا القليل من النثر سواء من كهان أو خطباء؟


* ميزة وخاصية الشعر هي قضية الوزن والموسيقى هذه التي حفظت الشعر، لكن النثر من الصعب أن يحفظ لأن لدينا فارقا زمنيا ما بين القول والتدوين لهذا القول، الفرق كبير لدرجة أن بعض الباحثين لا يعترفون بأي شيء من النثر الجاهلي إلا خطبة قس بن ساعدة التي رواها الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم يقولون أن النثر لا يمكن أن يحفظ. غير أنه في المقابل حفظت أشياء كثيرة ولكن لم يصلنا منها إلا القليل بسبب قضية التدوين. وصلنا مثلا السجع وهو يحتوي على أوزان وموسيقا تجعل المستمع أو الناقل يحفظها بسهولة. وصلتنا أيضا الأمثال لأنها قصيرة ولكنها تردد دوما لذلك حفظت. وبالتالي المشكلة تكمن في التدوين، بعض الذين نقلوا كانوا يفضلون أن لا ينقلوا الشيء الكثير مما يتعلق بأدب ما قبل الإسلام إلا الشعر لأنهم يحتاجونه في النحو العربي وفي علوم اللغة وفي الكتابة يستشهدون بالشعر لأنهم يحتاجونه في الأدلة أكثر من النثر.


* هل برأيك ذاكرة الراوي هي وثيقة يعتمد عليها عما رآه بالفعل أم أنه يضيف عليها من خلال ذاته؟

* أكيد هناك إضافات إن تكلمنا عن النثر وحتى الشعر عندما نقل لنا، من الممكن أن تكون بعض الكلمات أو بعض الأساليب قد تغيرت. لذلك نجد في الشعر مثلا لدينا أكثر من رواية للقصيدة الواحدة، ولو أخذنا وقارنا بين الروايات لوجدنا أن المعنى يختلف. كذلك الإنسان الذي يروي يضيف، وأحيانا لا يكون متعمدا هذه الإضافة وإنما يورد ما يتذكره'.


* عملك في المجلس التشريعي مسؤولية كبيرة تترتب على حساب العمل الأدبي ولكن بذات الوقت هو يضيف الاقتراب من المجتمع الإماراتي، وهذا تلامسينه بشكل أكبر من خلال عملك في المجلس، كيف تقومين بالتوفيق ما بين عملك في المجلس وما بين الأدب؟

* أنا أتيت إلى المجلس الوطني الاتحادي كعضو وهذا أدى إلى انقطاعي عن عملي في جامعة الإمارات، و في منتصف شباط (فبراير) 2011 أكملنا الأربع سنوات. خلال هذه السنوات الأربع عملت في الجانب التشريعي والجانب الرقابي في المجلس. وبصفتي عضوا في المجلس، طرحت الكثير من القضايا. عندما نتحدث عن المجلس الوطني الاتحادي، لا نستطيع التحدث عن قضايا تخص المرأة أو الرجل، وإنما نتحدث عن قضايا تخص المجتمع والأسرة التي هي نواة هذا المجتمع. في العمل البرلماني لا يوجد لدينا تصنيف امرأة و رجل، وإنما العمل التكاملي، فنحن نعمل كفريق واحد.

وخلال عملي في المجلس ربما اكتشفت أمورا أخرى في شخصيتي لم أكن أعرفها، وهي مدى حبي للقانون حيث وجدت نفسي منشدة لمادة القانون كثيرا، لذلك قرأت كثيرا في القانون بعد دخولي للمجلس، وكيفية صياغة القوانين، هذا على الصعيد الشخصي. وأما على صعيد القضايا التي طرحتها فقد طرحت قضايا متعلقة بالشؤون الاجتماعية والتعليمية والثقافية مثل قضايا التعليم العام والعالي. وتطرقت أيضا إلى قضايا تتعلق بالمرأة مثل قضية مناقشة سن تقاعد المرأة في الإمارات، ومدة إجازة الوضع، وغيرها من الأمور التي تشغل بال المرأة. على الصعيد الثقافي، وجهت بعض الأسئلة لوزير الثقافة تتعلق بالثقافة من خلال مناقشتنا لسياسة وزارة الثقافة وتنمية المجتمع. وخلال المناقشات طرحت ما يتعلق بشؤون ذوي الإعاقة، والمساعدات الاجتماعية التي توفرها الدولة لمن يعجز عن إيجاد مصادر دخل بنفسه، وكثير من هذه القضايا طرحت تحت قبة المجلس الوطني منها الكادر الطبي والفني في وزارة الصحة وضرورة تحسين الخدمات الصحية في الإمارات الشمالية، خاصة وأنني مقررة لجنة الشؤون الصحية والعمل والشؤون الاجتماعية طوال فترة الأربع سنوات، وهي مدة المجلس. وأعتقد أنني خلال هذه الفترة، إن كان من خلال عملي داخل المجلس أو من خلال الزيارات البرلمانية، وأيضا من خلال عملي كعضو في الاتحاد البرلماني العربي ممثلة لدولة الإمارات العربية المتحدة. وأنا مرتاحة لما أديته ضمن الصلاحيات المتاحة للمجلس الوطني الاتحادي، ولا ننسى أن المجلس هو مجلس استشاري، ونحن كنا على تواصل وتعاون مع الحكومة بشكل مستمر، لكن في النهاية دورنا استشاري. ولقد لقينا دعما من القيادة وتواصلا مستمرا'.


* تجتمعون مع برلمانيين عرب، هل بنظرك مساحة الحرية تختلف من برلمان لآخر ومن دولة لأخرى؟ وكيف تكون مساحة الحرية المتاحة لطرح المواضيع الاجتماعية في الإمارات؟

* التجربة البرلمانية مختلفة في العالم العربي باختلاف تاريخ نشأة هذه البرلمانات وباختلاف صلاحياتها، ومن ثم فالبرلمانات مختلفة من دولة إلى أخرى. في الإمارات هو استشاري قائم نصفه على الانتخاب ونصفه على التعيين، في حين أنه في بعض الدول الأخرى قائم كليا على الانتخاب. أيضا هناك اختلاف في الصلاحيات الممنوحة، ولكن الحرية موجودة. الدستور يكفل للعضو في جلسات المجلس الوطني الاتحادي وفي اجتماعات اللجان أن يعبر بحرية عن رأيه، وخلال عملي كنت أعبر عن رأيي بكل وضوح وشفافية.


* عندما يكون الزوج مثقفا وعلى ذات المستوى من التفكير، هل هذا لصالح المرأة؟ وهل يوجد تعاون وحوار بينهما؟ ثم ما العلاقة بينك وبين زوجك وأبنائك؟

* بالنسبة لي فإن علاقتي مع زوجي علاقة صداقة وهي علاقة تحتوي على الكثير من الحيوية والمحبة والتعاون والتفاهم. هو قارئي الأول بالإضافة إلى إحدى صديقاتي دائما هما أول من يقرأ لي، أثق برأيه تماما. هناك الكثير من النقاش والحوار حول ما أكتب وحول ما يكتبه هو، فنحن نقرأ لبعض ونستمع لبعض. زوجي شاعر أيضا، وللأسف لم تصدر له دواوين شعر، لكنه شاعر رائع. حين أقرأ شعره يقشعر له بدني من عذوبته. أيضا إلقاؤه الشعري رائع ومميز جدا.

العلاقة بيننا صداقة ومحبة وهناك تواصل بيننا ونستطيع أن نفهم بعضنا بشكل كبير. أيضا علاقتي بأبنائي، والحمد لله لدي ثلاثة أولاد وبنت، ابني الكبير يقرأ باللغتين العربية والإنكليزية، ونحن حريصان على أن يقرأ باللغتين بشكل متساو كي لا تضعف إحداهما الأخرى، وقد قطع شوطا في القراءة، وقراءته متنوعة: فهو يقرأ في الأدب وفي التاريخ، وبدأنا نتلمس ما الذي يحبه في القراءة وبدأ يكتشف ذاته، يلجأ لحيل الصغار أحيانا، ولكني قد عرفت ما نوعية القصص التي يحب. نعمل أيضا على تنمية المواهب لديهم غير القراءة والكتابة، لدينا قضية الرسم وإجراء الاختبارات العلمية المناسبة في المنزل. ونحن نحاول أن نجعلهم يتعرفون على جميع الفنون لأن الفن هو أرقى ما توصلت له البشرية في تعبيرها عن الذات والكيان والوجود. نحن بهذا العصر لا نحتاج إلى أن نربط أطفالنا بشكل كبير بالتقنيات لأنهم وبشكل تلقائي يطلعون عليها، وحتى على صعيد الظواهر الفلكية في الإمارات فنحرص على مشاهدتها مع هواة الفلك على كورنيش أبوظبي ، فمثلا الظاهرة الفلكية التي حدثت في أبو ظبي وهي مرور المركبة الفضائية الدولية أمام الشمس أخذتهم كي يروها فلا بد أن يتعلموا ويهتموا.


* برأيك كم المرأة مسؤولة أمام نجاح الأسرة، وعلى من تقع المسؤولية الكبرى في استمرارية الأسرة ونجاحها وسكينتها؟

* أعتقد أنها تقع على الاثنين معا، لكن أظن أن ظروف الحياة وطبيعة شخصية المرأة قد تجعلها تتحمل مسؤوليات أكبر تأخذها حبا ورغبة. أعتقد أن المرأة إن تتحمل المسؤولية بحب ورغبة وتنظر إليها على أنها شيء ممتع ولا تعتبرها هما فلا بأس ، فإن رأتها هما وعبئا فلا بد من المشاركة في تحمل المسؤوليات. وواقع الحياة يقول إن النجاح يكون بالمشاركة . أريد أن أذكر شيئا مهما: إنني عندما أسافر لعمل فزوجي يحمل المسؤولية كاملة، وأنا أشعر بسعادة عند سفري لأني أشعر أنه يخصص للأطفال وقتا أكبر منه عندما أكون موجودة