جمعة الفيروز.. سنديانة لا تموت
ربما المبدع الراحل جمعة الفيروز واحد من الذين وجدوا أنفسهم خارج الواقع، ليس لان هذا الواقع قد لفظهم، ولكن لأنه هو وأمثاله لفظوا الواقع الذي جردهم من التفاصيل الحميمة.. قد يكون هذا حكما صارما وحادا، ولكن الكثير من البوح والاعترافات تتكشف عبر نتاجات وإبداعات كثيرين وجدوا أنفسهم بعيدا عن النخلة والبحر ذلك الدفء الاجتماعي الأصيل الذي أسسه التكافل الطبيعي بين الأفراد في مجتمع يعيش حالة الأسرة الواحدة، متخلصا من منافع كثيرة.. قد تكون تلك بيئة قاسية ومضنية، وعهود كفاف، لكن باقتلاعها بالصورة السريعة اقتلعت معها جذور راسخة لذوات.. وجدت نفسها لا تستطيع تنفس الهواء الجديد، أو تعيش في ظل حاجز بينها وبينه..
قيل عن قصائد جمعة الفيروز الذي باغت رحيله الكثيرين، وقيل إن الشاعر يعترف أن حياة اللاجدوى تحاصره، وقيل في قصصه السردية التي كتبها، كما قيل عنه في تفاصيل حياته الشبه منعزلة.. وإذا ما تساءلنا على نحو مختلف.. لماذا يبدو الفيروز وكأنه يحاول الإمساك بأغلب أشكال وألوان التعبير الإبداعي لكي يبوح باعترافاته تجاه أيامه ولياليه وتفاصيل ما حوله.. لماذا عزف على آلة العود وصادقها ووجد في أوتارها أوتار أحاسيسه ومشاعره؟ لماذا أراد أن يشاغب دراما الحياة بسرد أراد أن يكتبه هو من خلال قصص جمعها وترك بعضها في قصاصات مخبأة؟
لماذا كتب تلك القصائد وانتصر للنص الحر المتخلص من قيود التفعيل والأوزان، وانحاز للانعتاق؟ لماذا تنقل بين ألوان التعبير الثلاثة؟ هذه الأسئلة يمكن تحسسها كثيرا في جملة ما تركه الفيروز من إبداع، وأيضا كتابات من أرادوا تأريخ تفاصيل سيرته الذاتية كأديب وشاعر ومثقف نوعي، ودرويش ناسك في محراب اللغة، وكذلك يمكن تحسسها أيضا في بعض الدراسات التي حاولت أن تقرأ ذلك النتاج.
(جمعة فيروز سنديانة لا تموت) عنوان لكتاب أصدرته وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع بالتعاون مع اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وقدمه كدراسة الأديب د. هيثم يحيى الخواجه الذي كان أيضا قريبا من الراحل فيروز في أيامه الأخيرة وكثيرا ما التقاه وكتب عنه وتحاور معه..
ويأتي الكتاب على مفاصل كثيرة من حالة جمعة الفيروز الإبداعية، بل يكاد الكتاب يتسع في نطاقه ليكون كتابا احتفائيا، ففيه العديد من المرثيات التي دبجها أصدقاء مقربون من فيروز، منها كتابات تكشف صدمة غيابه للوهلة الأولى، ومنها كتابات لنقاد وأدباء تماسوا مع الحالة الإبداعية للفيروز.. وتأخذ هذه الكتابات المشحونة بالعاطفي حيزا كبيرا من الكتاب، في الوقت الذي يستعيد المؤلف د.الخواجه حوارات مطولة مع الراحل، وكذلك قراءات ومقاربات نقدية لأعماله في مجالات الرواية والشعر والقصة القصيرة وحالة فيروز كموسيقي أحب البيانو ثم آلة العود. أيضا يقدم د. الخواجه تفاصيل عن سيرة حياة الأديب الراحل منها ما باح به اقرب المقربين إليه.
(جمعة فيروز سنديانة لا تموت) كتاب رأى النور بعد الحاح كبير من قبل أصدقاء عديدين من الراحل، ويبدو ذلك من خلال المقدمتين اللتين تتصدران الكتاب، للشاعر عبدالله السبب رئيس التأليف والنشر باتحاد كتاب وأدباء الإمارات، ولمؤلف الدراسة د. هيثم الخواجه الذي يكتب في تصديره للكتاب: ( فبعد سنة من مأساة وفاته (جمعة الفيروز) كتبت عن شعره ثم كتبت عن قصصه ونشرت حوارين أجريتهما معه.
وعندما صدرت روايته الدائرة) بعد وفاته في العام 2008 رأيت أن اجمع ما كتبت عنه في كتاب في ذكرى رحيله، أضيف إليها مقاربة لروايته وشهادات عنه، بالإضافة إلى بعض الصور والوثائق، وتلهفت لكي يرى مشروعي النور وانتظرته على شوق ولم يحسم هذا الانتظار سوى الشاعرين احمد عيسى العسم وعبدالله محمد السبب. ويشير د. الخواجه في نهاية تصديره للكتاب بالقول: (ما أريد تثبيته هو أن إبداع الراحل الفيروز ما زال غابة بكرا وان ما أقدمه لا يعدو إلا احتفاء بإبداع هذا الأديب وعساني أن أكون قد وفقت بما هدفت إليه، بعد أن استراح الجسد المتعب وترك آثارا إبداعية تخلد ذكراه.
الفيروز قاصا
يكتب د. الخواجه عن قصة الراحل جمعة الفيروز: يعد جمعة الفيروز من الجيل الثاني الذي أبدع القصة الإماراتية، واذا كان الجيل المؤسس قد عمل على بلورة تكوينات هذا الفن، فان الجيل الثاني أصر على ترسيخ فن القصة في الأدب الإماراتي، ولا ريب في ان هذا الجيل عاصر أحداثا هامة سواء أكان على الصعيد السياسي (قيام الاتحاد) ام على الصعيد الاجتماعي (التطور الحضاري الذي ألم بالمجتمع الإماراتي).
وبناء على ما تقدم نلحظ بأن جمعة الفيروز كان مسكونا بالمواضيع الاجتماعية فقد نظر إلى واقعه بعينين واسعتين، لأنه تعرض للانكار وعاش تحت مظلة العوز وظل يعاني من العزلة حتى انه أدمن الوحدة والظلمة وقد عكس ذلك في إبداعه القصصي والشعري، كما نلحظ انه وأبناء جيله لم يتخذ الجيل السابق، المؤسس، نموذجا مع تقديره له، ولان فن القص تطور في فنياته وتكويناته وبوحه، كما تجاوز السرد الإنشائي والتطويل والتكرار..، فهو لا يسعى إلى البيئة ولا يتقصد إظهارها، انما يصر على تبيان ملامحها وينور عليها من خلال رسم الشخصيات وحركة تفاعلها من خلال الأحداث التي تدور فيها.
ويشير د. الخواجه في تتبعه لسمات قصة الفيروز: المذهب الواقعي اطار عام لقصصه مرموزاته ودلالاته لاتغور في العمق وانما يلتمسها القارئ عبر نمو الاحداث وتطور الشخوص التي بعضها قد يماثله أو يشبهه وربما ما يأمل ان يكون عليه.. لقد عمل الفيروز على ان يكتب القصة المكثفة التي تتماهى مع الواقع دون السقوط في حرفيته وتفاصيله، وهذا ما يجعل قصته ذات ايقاعات سريعة متسارعة، لا تسمع للقارئ بالاستراحة أو التأمل والاحداث تتوازى وتتقاطع، ولابد ان يكون المشهد القصصي مؤثرا وسريعا من اجل ان تقول القصة ما يجب ان تقول.
الفيروز شاعرا
يترصد د. الخواجة شعرية جمعة الفيروز من خلال انحيازه التام لقصيدة النثر، وأيضا من خلال روح الشاعر التي ألقت بظلال أزمتها على تلك النصوص، ومجموعة (ذاهل عبر الفكرة) هي المجموعة الشعرية الأولى التي كشفت عن سمات شعر الفيروز.. لكن د. هيثم الخواجه يكتب: يرى الشاعر جمعة الفيروز ان الفلسفة الجمالية لشعر الحداثة يختلف اختلافا جوهريا عن الفلسفة الجمالية للشعر التقليدي، ذلك لأن فلسفة الحداثة تنبع من صميم طبيعة العمل الفني وليست مبادئ خارجية مفروضة، ولأن الشعر الحديث يصنع لنفسه جمالياته الخاصة سواء ما يتعلق بالشكل ام بالمضمون.
وهو في تحقيقه لهذه الجماليات يتأثر كل التأثير بحساسية الواقع وذوقه ونبضه، وبناء على ما تقدم ندرك بأن الشاعر جمعة الفيروز ينحاز بقوة لشعر الحداثة ليس ذلك فحسب، وانما له رأيه الخاص بالشعر التقليدي وشعر الحداثة الذي ينتمي اليه.. ويواصل د. الخواجة رصده لفنيات ومتكئات القصيدة الحرة عن الفيروز بالقول:
ان الشاعر يطالعك عبر قصائده في المجموعة بآفاق فلسفته الحياتية الرابضة تارة فوق حريق الرمال وتارة أخرى فوق صباحات ربيعية آسرة، لكنه بين تينك الجهتين المتناقضتين، هناك شاعر إنسان يصر على ان يتنفس الهواء ملء رئتيه.. في قصيدته نزوع فردي ذي منحنى رومانتيكي ونبرة عالية وفيه حزن جبل بالتمرد والرفض والعجز أحيانا..
انفردت بالينابيع في قاع النشوة
في لظاها إلى الارتواء
إلى الانعتاق الذاهل
يزخر بالحنين ولا يصل
يظل الشفق المتبقي ويحتفل
وهو بظله يسابق.
....
حين نغتسل في انسدال الليل المؤكد
حين يستقر الوهن في شفاه السقم
حين تظمأ الألفاظ لأتون النار في قلب المطافئ
نستنشق الدماء في شعيرات الوميض
عندما تغفو العيون).
ان المرأة.. المثال في شعر جمعة الفيروز جزء من حلمه الكبير الذي اشرع نوافذه في عهد الفتوة الاول متذرعا بطموح لا متناه واستنفار لحركة الاوردة.. والمرأة تطرز عمره بالفرح وتحنو عليه كشجرة الزيزفون وان غابت تصير الهدف وأي هدف، وهي التي تندرج في صدارة الذكريات ونواحي الآمال:
(تراتيل امرأة المهجر، يهيج العالم
في اصطفاق المد والجزر
ينسل خفقها إلى مسيل الدم
ينساب في العروق
بحر تمزقه الامواج)..
يشير د. الخواجه إلى فيروز يصر على استخدام الفعل المضارع ليؤكد ابعاد حلمه، ويرضي ذاته المتطلعة إلى البعيد.. ويضيف: على الرغم من اهمال الشاعر للايقاع الخارجي في بعض قصائده، فان الذي لا يمكن نكرانه جرس الكلمات عبر تناسق الحروف وتكرارها وتوازيها في الشطر الواحد أو المقطع.
الفيروز راويا
هل كان جمعة الفيروز يعيش حالة ترقب لنهايته ورحيله؟ فتشظيه على أكثر من محور ابداعي يجعل من نفي هذا السؤال غير منطقي؟ لقد ذهب الفيروز إلى الرواية كما ذهب إلى الموسيقى والشعر والقصة، وكما ذهب إلى حالة المنظر الحداثي.. وذهب أيضا إلى المسرح.. ولحن أغنيات عاطفية ووطنية..هذا التمدد في ظل قلق كبير وتوتر قاتل ادخله اتون العزلة.. يدلل كثيرا على ان هذه الذات المبدعة كانت تدرك ان عليها الكثير، لكنها مطاردة من قبل الوقت والسفر المفاجئ..
كتب الفيروز روايته الوحيدة واسماها (الدائرة).. يتعرض لها د. الخواجه في كتابه، مشيرا إلى أنها رواية لم تكتمل وخارجة عن التقاليد المتعارف عليها: ما فعله الفيروز هو الاكتفاء بعنصري اللغة والشخصيات واهمل الحبكة وجعل الزمان والمكان مفتوحين والحدث باهتا والحبكة ملتصقة في محيط البوح الذاتي دون تفرد أو استقلالية.. حتى التفصيلات الدقيقة للاحداث والوقائع غير موجودة وغير واضحة حتى التحليل والتصوير والتفسير لا مكان له في الرواية.
وإذا كان هناك حديث حول عناصر الرواية، فانه يتحدد في الشخصيات والزمكانية واللغة. فنحن لا نلحظ في رواية الدائرة سوى شخصيتين الأولى بطل الرواية (جمعة الفيروز نفسه) والثانية حبيبته شهرزاد التي أحبها فكانت الوعد والأمل والشروق والخضرة والبديل عن كل شيء.
اما بقية الشخصيات فهي ملامح شخصيات لم تدرس فنيا، ولم يوضح الكاتب سماتها الداخلية والخارجية، ولم يرزق الحياة في اورادها، اما الزمكانية فهي عائمة ولا نستنتج من الرواية سوى مدينة جلفار التي ولد فيها الشاعر ومنزله فيها المفعم بالظلمة والسواد والفقر.
لقد سرد جمعة الفيروز احداث قصته بضمير المتكلم، فهو بطل الرواية ويتحدث عن مجريات الاحداث فيها من خلال تداعيات لم تقترب من التنظيم والتخطيط في غالب الاحيان. وينتهي د. خواجه في سبره للحالة الروائية الاولى لدى فيروز.. تبقى رواية (الدائرة) لها اهميتها لا لأنها آخر ما كتبه الفيروز قبل رحيله فحسب، بل لأن هذه الرواية محاولة في تجريب كتابة رواية غير تقليدية وانها نتاج تأثر الكاتب بما قرأه واطلع عليه.
الفيروز سيرة ذاتية
ولد جمعة الفيروز في رأس الخيمة ودرس في مدرسة القاسمية، وشغف منذ صغره بالقراءة حتى احرق والده كتبه خوفا عليه من لوثة وجنون.. تخرج الفيروز في معهد الموسيقى العربية في القاهرة عام 1975 وعمل في وزارة الإعلام وبلدية رأس الخيمة واستقال نهائيا من العمل الإداري في أوائل التسعينيات، وتفرغ لوحدته وغربته وآلامه، قيل انه اقام وقتئذ في غرفة من بيته القديم، طلى جدرانها بالأسود، وراح يكتب على ضوء شمعة، وحين سئل عن ذلك قال: اكتب على ضوء شمعة لأنير قلب العالم.
بدأ يكتب الشعر والقصة القصيرة معا في أواخر الثمانينات ولكنه عزف عن الناس والنشر والعمل الرسمي، في اوائل التسعينيات عاد حثيثا قبل وفاته بسنتين يكتب وينشر بضراوة. أتقن الفيروز العزف على آلة العود والكمان والبيانو والقانون، وله اوبريت (عش المحبة) عرضه عام 1981 وله اكثر من اربعين لحنا منها الحانه لمسرحية (الرسالة وجزر السلام) واسهم في تأسيس مسرح رأس الخيمة، واتحاد كتاب وادباء الإمارات عام 1982 وشارك مع اصدقائه نجيب الشامسي واحمد العسم وهيثم الخواجه وسعيد اسماعيل وعبدالله السبب في تأسيس فرع الاتحاد في رأس الخيمة عام 1999.
اتقن الانجليزية والاوردية واخذ يترجم قصائد طاغور.. تأثر في حياته الأدبية بمرجعيتين: الشاعر حبيب الصايغ والشاعرة حمدة خميس، صدر له في عام 2000 كتاب في النثر الفني بعنوان (ذاهل في الفكرة) وظهر له في العام التالي 2001، بعد وفاته مجموعتان قصصيتان (مسافة..انت..العشق الأولي) والثانية (علياء وهموم سالم البحار)..انجز رواية واحدة وهي الدائرة التي صدرت في العام 2008.
(جثة من ورق).. حينما يؤبن المسرح الفيروز
في 16 مارس من العام 2003 كان الممثل محمد جمعة يؤدي شخصية الراحل جمعة الفيروز على مسرح معهد الفنون المسرحية بالشارقة امام حشد كبير من ضيوف مهرجان ايام الشارقة المسرحية اغلبهم لا يعرف من هو الفيروز الذي تتحدث عنه المسرحية.. وقتها ملأ مخرج العرض فرحان هادي المسرح بالورق في عرض حمل عنوان (جثة من ورق) وراح يستحضر حياة المبدع الراحل ومقولاته مجسدا صورا شعرية في حالة مشهدية بطلها شاعر عاش وحيدا ورحل تاركا مقولات وكلام وقصائد تفتح بابا للاسئلة والتأمل، وفي المشهديات التي رسمها المخرج هادي والتي اراد لها ان تكون التصاقا بالورق والحبر حتى رحيل الفيروز متكفنا بها، كانت الموسيقى تؤبن ذلك الراحل.
تبنت العرض فرقة جمعية شمل للفنون الشعبية والمسرح كنوع من تأبين الراحل واستحضار ذكراه، وفكرته العرض للكاتب والأديب نجيب الشامسي وكتبها واخرجها فرحان هادي الذي تماهى مع حالة الراحل الإبداعية، ويومها اقيمت ندوة تطبيقية للعرض تحدث فيها عدد من قامات المسرح العربي والخليجي والمحلي من بينهم الفنان فؤاد الشطي والفنانة مريم الصالح، شارك في باقي شخصيات عرض (جثة من ورق) بالإضافة إلى الممثل محمد جمعة وهنادي الساعدي وعبدالله الحجار.