ربطة العنق الحمراء

عدي مدانات

* الدستـور الاردنيـة




هدوء عميم يخيم على المنزل شديد التواضع في ساعات الصباح الأولى، بحيث يمكن سماع صوت دوران عجلة آلة الخياطة الأجش، في غرفة معيشة العائلة، بيسر، فيما يقوم الزوجان المتقدمان في العمر: القائد النقابي السابق، موسى الوهبان، وزوجته، بعمليهما المعتاد. كانت الزوجة تعدّ الشاي لطعام الفطور بخفة حركة وصمت يماثل صمت زوجها المنشغل بعمله، فهذا هو الحال الذي استقرا عليه منذ سنوات عدة، إذ لا تأتي الأيام بما يغيّر فيه.

تحتل آلة الخياطة مكاناً متواضعاً من مساحة غرفة المعيشة المستطيلة بالقرب من باب المطبخ، وكأنما أُريد لها أن لا تأخذ أكثر مما تستحق من مساحتها، بحيث يتمكن أبو يوسف من مواصلة العمل ورؤية زوجته وهي تقوم بعملها داخل المطبخ، ويبادلها الحديث إذا عنّ على بال أحدهما الشروع فيه. وتشغل طاولة العمل، التي تنتشر فوق سطحها أدوات الخياطة، حيزاً كبيراً، إلى جانب المشجب الذي تجمعت عليه الملابس المجلوبة للإصلاح، وتشغل بقية المساحة مقاعد الجلوس وجهاز تلفاز ومكتبة صغيرة محشوة بالكتب، ثم الصحف اليومية، التي ركنت في زاوية فوق منضدة، وانفردت واحدة منها هي صحيفة اليوم، على منضدة إلى جانبه في متناول اليد.

رنّ جرس الهاتف، فتبادلا نظرة استغراب، نهض أبو يوسف، بعدها، واتجه إليه وتلقى المكالمة، وظهرت ـ في الحال ـ على وجهه علامات اهتمام بما يطرح عليه. أجاب بعد أن أفرغ المتصل ما لديه: «لن أتأخر». أسرع، بعدها، إلى الحمام، من دون أن يعلم زوجته بفحوى الاتصال، وخرج بهيئة مختلفة ـ عما كان عليه: حليق اللحية، ممشوط الشعر. كانت زوجته قد جلبت الطعام على طبق: إبريق الشاي وصحني لبنة وزيتون وخبز، وجلست تنتظر. حدقت فيه متلهفة لمعرفة ما لديه، غير أنه أسرع إلى خزانة الملابس، وتناول منها قميصاً وبنطالاً وسترة، ثم نزع منامته وبدأ في ارتداء القميص وشبكِ أزرته. سألته، حينئذ، وقد بلغ فضولها مداه:

ـ ما الأمر؟ من اتصل؟

أجابها:

ـ لا أعرف، على وجه التحديد. ربما المحافظ، أو شخص ينطق باسمه، يريدني في المحافظة قبل الساعة العاشرة للبحث في مطالب العمال المسرّحين المعتصمين أمام مجلس الوزراء. سأقول له: أنا إلى جانب العمال ولن أتعاون معه؛ أنا قدت الحركة النقابية لأكثر من أربعين عاماً، كما يعرف الجميع.

لم تعقّب في الحال، ولكنها أشارت إلى الطعام، وقالت:

ـ ألن تتناول طعامك؟

أجاب: «بلى»، وتابع ارتداء ملابسه. أدخل ساقيه في فردتي بنطاله ورفعه إلى خصره وشدّ سحابه إلى أعلى، ثم شبك أزرته وقال:

ـ ما أزال ـ كما كنت ـ صوتاً مسموعاً، كما تعرفين.

انتقل إلى الجورب والحذاء، فانحنى ولبس فردتي الجورب، ثم دس قدميه في فردتي الحذاء وانتصب. كانت تتابعه بنظرها، تخفضه وترفعه وفق حركته، ثم قالت لدن انتصب جذعه:

ـ تبدو أصغر عمراً وأجمل، ليت الأيام القديمة تعود وأراك كل يوم منتصب القامة.

جلس ليشاركها الطعام. كانت تنظر إليه، بين الفينة والأخرى، وفي فمها كلام، وكان يلوك طعامه وهو مقطّب الجبين مستغرق في أفكاره، وهي تنظر إليه وتنتظر الكلام ولا تأكل، ثم تضرج وجهها، وقالت:

ـ كنتَ دائماً منتصب القامة وأنت على رأس عملك وتقود النقابة، كانت الاجتماعات تحدث هنا، في بيتي، وأشارككم الجلوس وإبداء الرأي، لا ألتفت إلى الشاي المراق على الطاولة والأرض، أحياناً، ولا إلى أعقاب السجائر التي تفيض عن المنفضة، فالنظافة مقدور عليها، كل ما كان يعنيني هو نجاح الاجتماعات.

توقف عن الأكل برهة، ونظر إليها وقال:

ـ لقد حمّلتك فوق طاقتك: فوضى المنزل، بوجودي، وقسوة وحدتك ـ في أثناء سجني. كنت دائماً، كالفراشة الناعمة، تتحركين بخفة ولطف. أنت تستحقين حياة أجمل، ولكن هذا ما أنا عليه، لو كان بوسعي التعويض...

أخذت الكلام منه وقالت:

ـ لكنك ـ في كل الأحوال ـ كنت فارسي، تعاملني في الليل كأميرة، وفي سجنك ترسل لي أجمل الكلام.

نظر إلى ساعة يده، وقال:

ـ بودي لو نمضي في الحديث، ولكن الوقت اقترب.

نهض واتجه صوب باب الخروج. خاطبته قبل أن يبلغه:

ـ ألن ترتدي ربطة عنق؟

توقف واستدار، وبدا ـ للحظة ـ متردداً؛ غير واثق من لزوم ربطة العنق، ثم استجاب وعاد وفتح باب الخزانة، من جديد، ليختار ربطة عنق، غير أنها أعفته من الاختيار وقالت:

ـ ما رأيك بربطة العنق الحمراء؟

نظر إليها باندهاش وقال:

ـ هذه دعابة، من دون شك.

أجابت، مع لطف نظرتها إليه:

ـ أريد رؤيتها على صدرك، ولو للحظة. لن تأخذ من وقتك الكثير.

وافقها الرأي وبحث عنها، غير أنها لم تكن ضمن ما وقعت عينه عليه، فعدل، فبادرت إلى البحث عنها. ابتعد وأفسح لها المكان وشرع، بدوره، يتابعها بنظره: شعرها الذي تحول إلى البياض، كتفيها الضامرين، إطار نظارتها السميك، قدرتها على الصمود في أعتى الظروف. عثرت على ربطة العنق في حال سليمة، فتناولها وارتداها ووقف معتزاً بنفسه، ولاحظ أنها، هي الأخرى، شديدة الاعتزاز، فقد كانت تحدق فيه وقد اتسعت عيناها وتوردت وجنتاها، وقالت:

ـ أتذكّرُ، في هذه اللحظة، الساحة الحمراء في موسكو، وأنا وأنت نتجه مع جموع غفيرة إلى قبر لينين، كنت ترتدي ربطة العنق هذه، وأنا أشبك وردة حمراء في شعري. كان ذلك بعد خروجك من السجن. كنا نؤمن أن العالم سيتغير إلى الأفضل.

احتبس الكلام في فمها وتحشرج وهي تضيف:

ـ لكنه تغير نحو الأسوأ. لو كان ثمة عدل لما اضطر قائد حركة نقابية للعمل المضني في شيخوخته، ولما تُرك وحيداً لا يزوره إلاّ قلة ممن يطلبون نصحه أو يزعمون ذلك.

مسته عاطفة شبيهة، وتضرج وجهه وقال:

ـ نحن بخير، كما كنا دائماً، وفي الآخر لا يصح إلاّ الصحيح.

قطع سائق سيارة الأجرة الصمت ثقيل الظل، الذي ساد لوقت غير قليل، وهما في طريقهما إلى دار المحافظة، وقال:

ـ يا حج، هونها بتهون.

التفت إليه ـ إذ ذاك ـ ولاحظ أنه، هو الآخر، يكتم هماً، فرد الكلام إليه، وقال:

ـ هونها أنت، أيضاً.

شهق وقال:

ـ لو سألت عجلات السيارة، التي تتنقل ـ طول النهار ـ من مكان لآخر، لسردت عليك العجائب، هونها بتهون.

تحسس أبو يوسف ربطة عنقه وأظهرها لمرأى السائق، وقال:

ـ لو سألت ربطة العنق هذه لروت لك العجائب.

صمت السائق للحظة ثم قال:

ـ المعذرة؛ اللون الأحمر لمناسبة معينة، أطال الله في عمرك؟

أجابه:

ـ الأحمر لون الثورة.

شتم السائقُ آخرَ أزعجه بإطلاق صفير بوق سيارته، وأخذ يمينه وقال:

ـ وما حاجتك للثورة، يا حج؟ ما هي يد الحكومة طويلة؛ قبل قليل كنت أمر قرب الدوار الرابع، ورأيت رجال الشرطة يهاجمون عمالاً احتشدوا هناك، وراحوا يفرقونهم بالقوة وينهالون عليهم بالعصيّ. يد الدولة قوية.

عكست تعابير وجه أبي يوسف الغضب الذي انتابه، وقال:

ـ عدلت عن الذهاب إلى المحافظة، خذني إلى الدوار الرابع.



في ذكرى المناضل النقابي موسى قويدر