الثابت والمتحول في الصورة الشعرية

فن التقاط الخيال





تعدّ الصورة الشعرية عنصراً جدّ مهم في القصيدة الشعرية، سواء أكان ذلك في الشعر القديم، أم الحديث، وإن كان تتبع خط سيرها البياني، ليؤكد أنها خضعت لتطورات هائلة، ليس بين عصر وآخر، وليس بين بيئة وأخرى، بل إنها كانت تتمايز بين قصيدة شاعر وآخر، بل بين قصيدة وأخرى، للشاعر نفسه . وبالرغم من مثل هذه المقدمة، فإن النقاد يرون أن العناصر الثابتة في القصيدة تكاد لا تتبدّل منذ تأصيل مفهوم الشعرية، كما أن الصورة الشعرية، لاسيما في عصر ثورة الاتصالات، وتوافر سهولة الترجمة، تجعلنا نكاد ألا نقع على فروقات كبيرة بين الشعراء على اختلاف جغرافياتهم، وألسنتهم، على صعيد تشكيل الصورة، أو تناولها، شريطة تمكن الشاعر من أدواته، وإن كانت لدرجة الحساسية لدى المبدع علاقة في براعة الصورة أو العكس، تبعاً لإمكاناته وقدراته، مقابل آخرين، يرون أن الصورة الأصيلة، تختلف بين شاعر وآخر، وإن تكليف مئة شاعر-على حدّ قول أحدهم- بالكتابة عن حادث واحد مؤثر، يجعلنا أمام مئة أسلوب لديهم، على صعيد بنية القصيدة، وصورها، وأخيلتها، ومفرداتها . وحول علاقة الشاعر الإماراتي بالصورة الشعرية كعنصر دينامي، مؤثر في بنية القصيدة، استطلع ملحق الخليج الثقافي آراء عدد من الشعراء الإماراتيين، حول رؤيتهم للصورة الشعرية، كما استطلع في الوقت نفسه آراء عدد من النقاد العرب، للوقوف على رؤيتهم لخصوصية الصورة عند الشاعر الإماراتي .

أكد عيسى يوسف أنه ينتقي صورته الشعرية من الواقع المنثور حوله قائلاً “ألتقط الصورة، ومن ثمّ أفكر بترجمتها، وتشكليها حرفياً، من دون أي ابتذال، وإذا لم تصل هذه الصورة إلى النضج، أترك الفكرة والصورة الشعرية معاً . وفي الواقع فكثير من نصوصي هي رؤية محورية حول موضوع إنساني، يلمس البشر، وفي بعض الأحيان يكون قريباً مني، ولذلك أكتب حوارات النص كصورة شعرية تصل كرمز، وفي بعض الأحيان أفكر في وضع الرمز له، في أكثر من معنى، ضمن الصورة الشعرية . ومن هذا المنطق، فالتشبيه والاستعارة هما مكملان للنصوص، مع تحويل الرمز في نصوصي إلى صورة يمكن تخيلها، بالإضافة إلى ضغط النص بأن يكون مجازاً وليس سرداً، كي يبقى العامل الخارجي مؤثراً، بشكل قوي، على كتابة النص، وتحويل ما أشاهده لصورة شعرية، يبرز فيها التشبيه، والاستعارة، والرمز .

كما أن الصورة الشعرية-في رأي صالحة غابش-تفرض نفسها، بحسب الموضوع، بمعنى أنها وخلال تجربتها الشخصية، لا تضع خطة، بل إن الصورة تأتي من تلقاء نفسها . وأضافت غابش: أحياناً، عند المراجعة، بعد كتابة القصيدة، فإنّ الشاعر قد يعيد النظر في صورته الشعرية، ويبدأ بإخضاعها للصنعة، وهذه تعدّ استثناء في تجربة أي شاعر، في بداياته، ومن هنا، فالصورة تأتي بحسب معادلات جمالية، تنبع من داخل الشاعر، ولاسيما بعد نضوج تجربته، لتقدم نفسها بالسلاسة والروعة المطلوبة .

بينما رأى عبد الله السبب أن الشاعر يقتفي أثر اللغة، ليكتب نصاً يشبهه تماماً كما لو أنه صياد يبحث في أدغال هذه اللغة، وأبجدياتها، عن مفردات بعينها، ليصنع منها صوراً شعرية، تشير إليه، وتدل على وجهه بين أقرانه الشعراء . وهنا، تبدو ملامح المفاضلة بين شاعر وآخر، من خلال الصورة الشعرية التي يرسمها في النص، وفي الطريقة التي ينتهجها أسلوباً شعرياً ولغوياً، تتكون عبر كل ذلك سماته الشعرية ولعلنا نتساءل: ما الذي يميز شاعراً بحجم أبي الطيب المتنبي،مثلاً، عن سواه، من شعراء عصره أو العصور الأخرى؟!، ثم ما الذي كان يصنعه شاعر مثير للدهشة، ولاعب ماهر في مضمار اللغة، مثل نزار قباني؟!

أليست الصورة الشعرية التي يُلعب على أوتارها في النصوص، هي ما يميز قصائد شاعر ما، عمن سواه، من الشعراء المجايلين له، أو من أجيال شعرية أخرى، سابقة عليه، كانت، أم لاحقة؟! .

إن كل ذلك من تميز وخصوصية، هو نفسه، ما يثير الشهية النقدية، لدى النقاد الفطنين الذين يولون الصورة الشعرية كل عناية وصدق قراءة، إذن، هذا هو حقاً ما أرمي إليه، حين أتحدث عن نصوصي، وإن كانت هذه مهمة الآخر، الذي يحرث في بحر قصائدي، بحثاً عن الصور الشعرية التي تكتنف ما أخطه، وأهمس به، من شعر، وهنا، لا أدعي تفردي بالصورة الشعرية الحديثة، ولكن الذي أجزم بوجوده لدي، ولدى وغيري من الشعراء، وبخاصة الحداثيون منهم، حيث إن لكل منّا صوره التي تميزه عن سواه، عبر الأسلوب الشعري الذي ينتهجه، وهكذا بالنسبة إلى المتن الذي تتضمنه القصائد .

وبالنسبة إلي، فإنني لا أركض وراء القصيدة، ولا وراء الكتابة بشكلها المطلق، فما يتفجر من كتابات في حينه، أستقبلها، بكل حفاوة وتقدير، فتأتي الفكرة كيفما تشاء، وفي الوقت الذي تريد، قصيدة كانت، أو قصة، أو مقالة، أو ما إلى ذلك، أكتبها -كما هي- من دون تدخل، كي لا تتفلت الفكرة، وتطير ذاهبة في حال سبيلها . ثم حين تستقر على الورق، أعمل على هندستها، وأتدخل في شؤونها الشعرية، من حيث الصور، والتراكيب، واستخراج الأفكار التي من الممكن أن تتوالد لتشكل نصاً طويلاً، إذا ما كانت الفكرة تتطلب ذلك المدّ والاسترسال، من دون أن يشكل ذلك عبئاً على النص ككل، أو أن أدعه كما هو، بحجمه الذي يمكن أن يصل إليه، إذا كانت الفكرة لا تحتمل ذلك التمدد اللغوي .

أحمد عبيد المطروشي يرى الشعر كائناً حياً، وهو برسم صورته، التي تليق بأن تكون لبنات في النص الشعري، يسعى لأن يتخيرها، بما يناسب ورونق وألق هذه القصيدة، وإن كانت صورته تتقطر شجى وألماً، ويرى أن الصورة لديه تبدأ، مع بداية جسد النص، وهو يبدأ بمفردة، كي يتصل النص بالكون، من خلال صوره، يصرخ، يستغيث، وأحيانا يثور،هكذا هو حال الشعر منذ بداياته، إلى أن جاءت قصيدة النثر، وتجاوزت الشعر التقليدي الذي كان يعتمد على العواطف، في شحن المفردة والصورة في آن واحد .

إن قصيدة النثر التي تكونت في ما وراء اللغة الفنية، أو بما يسمى التجاوز التلقائي للمشاعر القوية، وباستخدام جدلي، للحس والصوت، والإيماءات، والحركية والنشوة، وهي أهم شيء . إن كتابة قصيده النثر تميل إلى المغامرة، والمرونه واكتشاف المجهول، والشاعر يبحث عن تكوين هيكلي يجذب كل ما حوله من مشاهد، بل في كل شيء يراه الشعر موجوداً في هذا التكوين الكوني الكبير المطلق، يحوله إلى صور شعرية .

كما أن الشاعر ينتظر قطارات الحروف، يكدح كي يكتب جماليات الحياة، والشعر هو الذي يستطيع أن يصنع من بؤس الحياة شيئاً جميلاً، والشعر طلاء الحياة وعامل تجديد لها، وهو اكتشاف الخيال بطريقه سوريالية، أو تجريدية، وهو تعبير عن الروح والكلمة الفورية للعقل المتصل بالخارج والباطن، والتكوين للأفكار القليلة، والأشياء الكثيرة، والشعر هو الاتحاد من النظرة الأولى للشيء الهائل الذي يتحول إلى شيء خارق وجميل، يولده تصادم العواطف، والحواس وحدها، لا توصلنا إلى الطبيعة المثالية، الشعر-عبر تفاعل صوره وأدواته- هو الموصل، والتيار العصبي لحقيقة الرؤية الصافية، عبر بلورات مشعة بألوان حقيقية، تتركب في بحيرة غائمة تحيط بها أصوات العالم كله، ما دامت صورته مستمدة من مختبر روحه، بعد أن تدخلت عوامل كثيرة في إعداد جبلتها، وتقديمها .

الصورة الشعرية من منظور- محمد البريكي، هي أحد أركان القصيدة الأربعة التي اعتمدت عليها منذ زمن بعيد، وهي الموسيقا التي تتمثل في الأوزان والعروض، واللغة التي تعتبر القالب التي تصب فيها العناصر الأخرى، والمضمون الذي يمثل بؤرة القصيدة أو ملخصها، والصورة الشعرية .

وربما تكون الصورة الشعرية هي إحدى الركائز التي يتمايز الشعراء فيها، فالعناصر الأخرى متاحة للجميع، ولهم الحق في التصرف فيها، لكن الصورة الشعرية، أو الالتقاطة، قد تأخذ جانباً أهم في التمايز، من ناحية شكل الالتقاطة وألقها .

والصورة الشعرية تمثل للنقاد جانباً مهماً، من حيث اكتشاف مدى الخيال والتحليق والتقريب إلى الفكرة التي يريدها الشاعر، بشيء من الجمال في النص، واكتشاف مقدرة الشاعر على استخدام المحسنات البديعية، من استعارة وكناية وتشبيه .

ولئن كانت الصورة تعبر في معناها الظاهر عن التقاطة شيء ما، فإن الالتقاطة في حد ذاتها فن آخر، من حيث وقوف خيال الشاعر عليها، ومن أي زاوية ينظر إليها، لينقلها حسب قدراته الإبداعية للمتلقي في ثوب يمثل هذه القدرات، وهو ما أقصد به التناول، فتناول الشاعر مرتبط بالابتكار في لحظة الالتقاطة، وما بعدها من محسنات، يضيفها على هذه الصورة، لتظهر بثوب مغاير عن غيره .

وقد تكون صورة شعرية ما بكراً لشاعر، لكنها قد لا تكون حصرية، ولا يحق المساس بها، فمقدرة من يأتي بعده على توظيفها بدلالة تختلف عن دلالة من سبقه، تعد ابتكاراً في التوظيف والتناول، وتختلف طرق التناول من شاعر إلى آخر، حسب حساسية وأهمية المضمون، وربما يضطر الشاعر أحياناً إلى رمي وشاح من الرمز على صورته الشعرية، ليترك للمتلقي والناقد فرصة للإبحار في نصه وصوره وأخيلته، وقد تمنح حساسية بعض المضامين ذريعة للشاعر لإدخال صوره الشعرية إلى أنفاق مظلمة، كي يخرج منها إلى بر آخر، هروباً من مطاردة فكرية لمضمونه، قد تودي به إلى المساءلة، أو القبض على فكرته، ومصادرة حريته في التحليق .

والحقيقة أن الصورة الشعرية من وجهة نظري هي “أداة الرقص والحيوية والحياة”، ويستخدمها الشاعر ليجعل من نصه الشعري نصاً راقصاً متحركاً، يتمتع بقدر من النشاط والانطلاقة، وليبعده عن دائرة الرتابة والتكرار التي قد تؤدي به إلى الموت الفكري، وبالتالي سيؤدي هذا إلى موت التلقي، وانطفاء القصيدة، وذهاب أركانها الأساسية الأخرى في مهب الريح، وتصبح مملة باهتة، أو عديمة الفائدة ولا قيمة لها .

وقال الناقد د . صالح هويدي: لا أميل لتمييز الشعراء في تعاملهم مع قضية كقضية الصورة، وإن البحث عن أنماط مختلفة في هذا المجال، لا يخلو من تعسف وافتراضات، فالشاعر فنان، وقد يلتقي في نمط التشكيل، وفي طريقة الرسم مع غيره من الشعراء، حتى وإن كانوا أجانب، غير عرب، ومختلفين عنه بثقافتهم، هذا هو جوهر الفن، في عمقه الإنساني ودلالاته، ولا أنكر أن هناك خصوصية ثقافية لدى كل شاعر انطلاقاً من بيئته- وطريقة صناعة الصورة في ظني، ولكن ذلك لا يرتقي إلى مستوى وضع حاجز بين صورة هذا الشاعر أو ذاك .

بينما رأى الناقد د . سمر روحي الفيصل أن الصورة في الشعر الخليلي الإماراتي لايمكن أن نجد فيها اختلافاً على صعيد الصورة، إلا في ما يتعلق بثقافة كل مرحلة، كما هو شأن اختلاف الصورة الشعرية في العصر الأموي، عن العباسي، عن الجاهلي، وبالرغم من أن الصورة في العصر العباسي تأثرت بواقع حالة الرقي والحضارة في هذا العصر، وهي وفق هذا تختلف عن الصورة الشعرية في مرحلة ما قبل الإسلام، إلا أن هناك عنصرين، لا يمكن التخلي عنهما في بناء أية صورة وهما: البلاغة والمادية، لأن الصورة عملية تخييل، ونقل للواقع .

أما الناقد حسان عزت فقد رأى أن الصورة الشعرية عند الشاعر الإماراتي ليست مفصولة عن الصورة في القصيدة العربية، وإن كان لها شيء من ملامح خاصة، من بيئة ومناخ، وعادات وتقاليد، وذكريات شفاهية، ينقلها الآباء للأبناء،وهي مسألة ثانية . والصورة الشعرية تختلط في أحيان كثيرة، وتستمد الكثير من الصور من القصيدة النبطية، لأن القصيدة النبطية ما زالت فاعلة، ومؤثرة، وتشكل حراكاً، في المساحة الشعرية الإماراتية، مثلما تؤثر صورة القصيدة النبطية، وذلك يقتضي دراسات نقدية عميقة، تبين الخصوصية والحدود والتفاعل .

والشاعر العربي الفصيح الذي يعيش في الإمارات عقداً من الزمن، ولا يطلع، ولا يهتم، ولا يتفاعل مع الشعر النبطي، ويتصرف معه بنرجسية، وارستقراطية، سيخسر الكثير، لأن الشعر النبطي أكثر مساساً وحرارة، وتأثراً بتجاور بيئتي الصحراء والبحر، ناهيك عن الإرث الثقافي الخاص .