بين الاستغناء والاستحقاق
خيري منصـور
* دار الخليـج
الاستغناء كمفهوم وقيمة هو الاكتفاء الذاتي والزهد وعدم التطلب، وقد يختصره قول شاعر عربي “الزاد أشرفه القليل”، ولا يكون الاستغناء حقيقياً ومقنعاً للآخرين إلا إذا اقترن بالاستحقاق، فالإنسان لا يعفّ عما لا يتاح له، بل عن الأشياء عندما تكون في متناول يده، وفي عصر الاستهلاك أو زمن الكينونة والامتلاك كما يسميه عالم النفس إريك فروم يندر الاستغناء، ويحدث العكس تماماً بحيث تشحذ نزعة الامتلاك والجشع، والرغبة في الحصول على كل شيء، لكن من يسعون للحصول على كل شيء يعاقبون بالحرمان من الأشياء جميعها، تماماً كما يحرم من الميراث من يتعجله بقتل من سيرثه .
ورغم التكرار في استخدام مصطلح الاستحقاق خصوصاً في المجال السياسي فإن هناك التباساً يجعل هذا المصطلح غامضاً وقابلاً لاستخدامات توشك أن تكون متناقضة، فالاستحقاق ليس فقط أزوف اللحظة التي يعاد فيها الحق، بل هو شعور ذاتي ونفسي عميق بالجدارة، وباستكمال كل عناصر ومقومات الحصول على هذا الحق، ونقيض الاستحقاق هو الإحساس بعدم الجدارة، لهذا يعتبر ما كتبه برنارد شو في مقدمة إحدى مسرحياته عن الاستحقاق بمثابة عقدة نفسية جديدة تضاف إلى قائمة العقد، كما قدمها عالم النفس فرويد، وفي عصرنا لعبت النظم والسلطات على عقدة اللااستحقاق . فحين يوضع الإنسان غير المناسب في موقع لا يشعر بأنه يستحقه يفرط في الولاء والنفاق، وكل ما من شأنه أن يحقق الاسترضاء لولي النعمة، بعكس ما يفعله من يشعر بالجدارة والاستحقاق فهو يحاور، ولا يتردد في تقديم شروطه الخاصة لأداء دوره، ولا مانع لديه أخيراً في أن يتخلى عن موقعه إذا لم يكن منسجماً ومتناغماً مع مفاهيمه وأفكاره ووعيه .
والعزف على وتر اللا استحقاق لم يكن مجرد أخطاء تقع فيها دول ومؤسسات، بقدر ما كان في بعض الأحيان سبباً مباشراً في سقوط تلك الدول، لهذا ينسب إلى أحد مديري المخابرات المركزية الأمريكية أنه قال إن أحد أسباب انحلال وتفكك الاتحاد السوفييتي كان وضع أشخاص غير مناسبين في مواقع حساسة .
وهذا ما تكرر في دول الحزب الواحد، أو ما يسمى النظم الشمولية، بحيث يحل الولاء مكان الكفاءة والجدارة بسبب هواجس أمنية وكوقاية سياسية من أي عصيان محتمل، وفي كل المرات التي تمت فيها المفاضلة بين الولاء والجدارة لمصلحة الولاء فقط انتهت المسألة بنتائج كارثية، فالدببة كما تقول الحكاية تلقي الحجارة على رؤوس أصحابها بنوايا حسنة لكنها تقتلهم على طريقة . . ومن الحب ما قتل، أما الذباب الذي يحوم على أنوف هؤلاء السادة، فإنه لا يصاب بأي أذى لأن الحجارة تخطئه . وكلاهما، الاستغناء بمعنى الزهد والعفة والاستحقاق بمعنى الجدارة من إفراز منظومة قيم ذات علاقة بالفروسية أو المناقبية الأخلاقية، وحين يندر وجودهما في عصر ما فإن هذا يتحول إلى مؤشر لانخفاض المنسوب الأخلاقي والقيمي والروحي لهذا العصر، وثمة مقارنات بالغة العمق أجراها ذات يوم وايتهد بين عصور تغلب عليها المادية ويهددها الفراغ الروحي والأخلاقي وبين عصور تغلب فيها المعاني والقيم، ففي العصور العجاف من ذلك الطراز العقيم تتدنى قيمة الإنسان، ويصاب الفكر والفن والأدب بأنيميا روحية، لهذا يكون السقوط والتداعي سريعاً، وقد لا يتبقى من تلك العصور حتى الأطلال .
بعكس العصور المعافاة التي يتأمل فيها الناس أحوالهم والكون من حولهم، فهي محصنة بالاستغناء والاستحقاق معاً، ويكون فيها العفو عند المقدرة، وليس عند الوهن والخنوع .