|
|
“ون وي” إلى موسكو
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
كان الشاعر السوري الراحل محمد الماغوط قليل السفر، يشبه في ذلك نجيب محفوظ والملحن المصري العبقري محمد عبدالوهاب الذي كان يخاف من ركوب الطائرات، ولذلك يقال إن أكثر رحلات عبدالوهاب كان عبر البحر في سفن كبيرة توحي إليه بشيء من الأمان .
السفر بالطائرة حالة ممتعة حقاً ولكن بالنسبة إلى من هم على معرفة بتلك المسرّة السريعة في خطوط الجوّ . .
على الأرض ثمة خطوط طول وخطوط عرض، لكن في الجوّ يختلف الأمر كثيراً هناك في الأعالي الجميلة التي كتب عنها انطوان سانت اكزوبري رواية “أرض البشر”، وهي رواية كلاسيكية بالمفهوم الأدبي، غير أن إحالاتها الرمزية والتأملية تتجاوز فكرة الطيران في الجوّ في حدّ ذاتها، لأن من لا يعرف لذة الطيران على أرض البشر وعشق الأرض السفلية الوحيدة والترابية بكل ما فيها من سعادة وشقاء، فإنه لن يطير ولن يعرف الطيران في الجوّ .
الطيران إلى موسكو . . أو الطيران إلى أي مدينة بعيدة عن المدينة التي أنت فيها فكرة شعرية في الأساس . كتب بهذا المعنى شعراء عرب كثيرون يعتبرون أن الطيران هو انتقال وتحوّل نهائي من مكان إلى مكان آخر . . أي اختيار منفى أو اختيار لجوء .
الشاعر السوري الراحل ممدوح عدوان، بمعنى ما، كان طائراً دائماً، والشاعر علي الجندي هو الآخر طائر أبدي في ضباب أبيض، والاثنان رحلا عن مدينتهما المعشوقة دمشق شعرياً وليس مكانياً، ومهما كانت فكرة الطيران فكرة شعرية إلا أن عدوان والجندي لم يعشقا سوى دمشق سواء في الشعر أم في الحياة .
الشعراء العرب عموماً يحبون الطيران، ولكن مهما أخذهم هذا السفر السماوي بعيداً عن الأرض، فإنهم يعودون إلى مساقط رؤوسهم، وإذا ماتوا يموتون تحت تراب الأرض .
ولكن . . ماذا عن السفر الاضطراري أو السفر القسري بتذكرة واحدة أو رحلة واحدة وفي اتجاه واحد بعيداً تماماً عن أي فكرة شعرية، حيث يحمل المسافر في هذه الحال سريعاً متاعه وبقايا عائلته وما تبقى له من ذاكرة .
مسافر بنصف بطاقة إلى مدينة باردة على متن طائرة ليست خاصة تقلع سريعاً أو فجأة من مدرج قليل الإضاءة محاط بالليل والغموض .
مسافر وحيد حتى لو كان حوله طوق من العصافير الصغيرة التي نجت من الموت لكي تودعه بأجنحة متكسرة .
ذلك مشهد قريب الشبه من الروح السرية في قلب محمد الماغوط الذي دفن في دمشق، ولم يحجز رحلة موته إلى أي مكان آخر .