في ذكرى "يوم الأرض" الفلسطيني:يهيكل الدم أصداءه في الجليل





تعدّ الأرض الرَّحم الأول للكائن الحي، على وجه البسيطة كلها، بما فيه الإنسان نفسه، ليكون وفق هذا التصورأشبه بشجرة، كلما تقادم الزمان شرشت جذورها أعمق . . أعمق، في باطن الأرض، أبجدية، وتاريخاً، وجغرافيا للحلم والواقع، ما يحدو بالشاعر الصوفي، وهو يُستنسخ في أسماء كثيرة ضمن متوالية خاصة،ليصور كل طبقة في أديم هذه الأرض على أنها جيل من البشر، وسفر من الرؤى، وهي كذلك، صميماً، في ما إذا انطلقنا من مسلَّمة معروفة، وهي أن التراب العنوان الأول والأخير، للآدمي، وسواه، من الكائنات الحية التي لايمكنه الحياة، في معزل عنها، ليتبادل معها السيرة، والعبق، والفرح، والانتصار .

ولعلنا في ما إذا عدنا إلى المحاولات الأولى لتشكل فضاء الوعي الإنساني، فإننا نجد أن الأرض استحوذت مكاناً جدَّ مهم، في أرومة هذا الوعي المتكون، كما أنها شكلت بنية الذاكرة الأولى للإنسان، وقس على ذلك في ما يتعلق بكل ضروب الفن والأدب . إذ إن الأرض كانت أول فضاء انفتحت عليه عيون آدم وحواء، على اتساعها، وأملها، وهما أمام أولى مهمة، ليدأبا على اختصارها، كي يلتقيا، بعيد بعاد، قسري، وفق الإرادة الأعلى، منذ أن غدت التفاحة مدعاة غواية الأم الأولى، والسيدة الأولى، لتؤول الغواية إلى التجسير بين عالمين متواصلين، بخيط السرة الواحد، منفصلين، انفصال الزمن الموقوت بالأزلي، ولتصير الأرض-بهذا المعنى- عنوان عقاب، وتجربة، واختبار، برأي بعضهم، كما هي لوحة القراءة، والدَّهشة، والاكتشاف، برأي آخرين، أو أنها اختزال الفردوس، وصورته البهية، البهيجة، تجمع بين سؤال الطبيعة وما وراءها، حيث روعة صنيع الخالق، تقترن بأصداء صنيع المخلوق، وفق مسار مسبق الرسم، وهو ما يجعل اللوحة مفتوحة على التأويل والرسوخ، لتكون لكل من يدب على سطح الأرض أثره، نائساً بين عمران هو الأصل، ودمار طارئ كما صانعيه، أنى كانت نياشينهم، وألقابهم، ولغاتهم، وأنواع الفؤوس التي يعيثون بوساطتها هدماً وفساداً .

والأرض، في الترجمة الأكثر شبهاً بها، الأقنوم بين البرزخين، والمحطة المؤقتة، يرمي الكائن الحي عليها أثقاله، وركام لحظاتها الميتة، وأشجاره، وعماراته، كي تبدو قزمة أمام ملامح هذا البعد المكمل للفضاء، قاعاً، ومسرحاً آدمياً، يطوي أكداس الأسرار، والأسماء، والبحار، والأنهار، والجبال:

لكأنها الأرض

حاضنة الحلم والجسد

دفتر الحياة الأبقى

كل يترك خطواته أثراً

يدلُّ عليه

كلّ يعلق على مشاجبها

صوته

في انتظار موشور اللحظة

أو الغد

كي يقرأه

عارياً من أي دثار

ساطعاً كبرق

يظلّ يواصل نذيره الضوئي

نارنجاً

ونعناعاً

وأسئلة

نفكُّ ربطاتِ عنقها

أبداً . . .

وللأرض، مدى الحبر هنا، يتردّد بين يومه البيئي، ويومه لدى الإنسان المقهور، مسلوب المهاد، كي يواصل أصداءه، أنى كان هناك خلل في المعادلة الكبرى، في ظل من ينفخ في المدى الخوف، وأكسيد الكربون،واشتقاقاته، نقيض الأكسجين، بناء الحياة، وأسطون الأرواح، في وجه المصانع، وشغب الكائن البشري، يواصل خراب خلايا المكان، بل في أنموذجه القابيلي، يشطر الخريطة أربع جهات، أو يصادر أرض الفلسطيني عن بكرة سندات تمليكه الروحية، في ذيل مارس/آذار 6791ن كي يهيكل الدم أصداءه، في الجليل، ومثلث الاغتصاب على إيقاع الرصاص، والمذابح، ويجعلنا اليوم نستذكر جبلَّة التراب والدم، في يوم نسميه ب”يوم الأرض” . يوم يقرأ فيه الشاعر قصيدته، فيحاول الرقيب لجمه، بيد أن ذلك لن يحول دون مواصلة نشيده، على طريقته الخاصة، لتكون الأرض مدى أصداء إيقاعاته، وصوره الموغلة في الحلم، يتجاوز ألغام الحزن والانكسار:

“هي الأرض

في يومها

توزع مفاصلها

على اللغات

والألوان

وتغص

في دمع وبكاء

أنى اختلت موازينها

الموقوتة

فاتحة صدرها

للمليارات من الأبناء

يحفنون الوقت

وهم يتهجون ماء الحياة

في إهاب حلم

سماوي

فارع”

ومفكرة آذار التي تدلّ منذ مطلعها على ولادة عظمى، في قامة تشبه الوتد الأرضي، طوداً، عالياً، فارع البسالة، تسير على هدي الدم والعزيمة، محطة تلو أختها، لتظهرالمرأة، وهي تنورز حنوها، في هيئة إحدى وعشرين حديقة، وقارة، تشير إلى “يوم الأرض” في طبعة أخرى، وترجمة أخرى، إذ تقترن المدن ببعضها بعضاً، في كرنفال، يؤكد اخضراره فحوى انتصار المكان على الظل الغريب، أنى تلون، في ثياب الحرباوات، مخبئاً أدوات الموت التي يحملها، ضد ابن المكان نفسه، لأنه يرى في استمرار حياة سواه، ما ينغِّص عليه الهواء، واستساغة الدم البريء، والنظرية الكاذبة، مايدفعه للهرولة في الاتجاهات جميعاً، مهجوساً بالاستعلاء والغرور وغريزة القتل:

لك أن تسمي بيتي باسمك

لك أن تطلق علي

أي اسم آخر

كسهم

أو رصاصة

أو قذيفة

لك أن تغير اسم قريتي

لك أن تبدل اسم مدينتي

والكرة الأرضية

لك أن تبدل

اسم الدالية وشجرة الجوز

لك أن تذبح اسم الينبوع والنهر

والجبل

في لحظة ما

عابرة

لك أن تبدل ملامح الكواكب

الكرة الأرضية

-إن استطعت-

بيد أنني سأظهر من تحت الأنقاض

سأظهر

سأظهر

حيث لا أثر لك

ولمجازرك الشاسعة

في تخوم خريطتي وأنفاسي .