|
|
أوجاع إبراهيم محمد إبراهيم في "ولدت ضحى"
أناشيد وسوناتات تنضح بالألم
يتابع الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم، مشروعه الشعري، بعدأربع عشرة مجموعة، أصدرها من قبل هي: “صحوة الورق”، و”فساد الملح”، و”هذا من أنباء الطير”، و”الطريق إلى رأس التل”، و”عند باب المدينة”، و”خروج من الحب . . دخول إلى الحب”، و”مس من شتاء”، و”ريشة في الضباب”، و”هكذا قهوتي”، و”ليست الأرض لي”، و”سكر الوقت”، و”سلم الكون”، و”لن تفهموا”، و”جبل الراهبات”، ليصدر مجموعته الشعرية الجديدة “ولدت ضحى”، وتتضمن اثنين وسبعين نصاً .
تندرج المجموعة الجديدة، ضمن إطار قصيدة التفعيلة، التي وجد فيها، مفتاحه إلى بوابته الشعرية، مادامت تحقق له رؤيته الفنية الجديدة، في أن يقدم نصاً تتوافر فيه مجمل التقنيات التي يرى فيها شرطاً، لإنجاز قصيدته، ليتزاوج ما هو أصيل في القصيدة التقليدية، وما هو مفتوح على اللحظة الإبداعية، في سياق الفتوحات التي يحرزها النص الجديد، نثرياً كان أن تفعيلياً، وهذه إحدى السمات التي يضعها إبراهيم نصب روحه وعينه:
تعالي نذوب أحزاننا في الفرات
ونصدرها فرحاً
وعرائس نهر . .
تعالي نعلم أولادنا
كيف يبكون من فرط بهجتهم
كيف يسترشدون بهذا السواد
إلى الياسمين
وكيف ينامون جوعى
كباقي الجياع
وكيف يغارون من موت أخوانهم
تحت أنقاض حلم تعذر
كيف يوارون ألعابهم
حين يلقون طفلاً
يواري بعينيه موت الحياة .
تعالي نذوِّب أحزاننا
في الفرات .
نص “تعالي”
تتراوح نصوص المجموعة برمتها، من حيث حجمها، إلى القصير والقصير جداً، ماعدا استثناءات قليلة جداً . وهذه إحدى سمات النص الجديد الذي بات يتوجه إلى قارىء محدد، له انشغالاته اليومية، ولم يعد يستطيع التجاسر مع النص الطويل، أو الملحمي، وذلك لأن النص الجديد، بات يحمل كماً كبيراً من شعريته، ودلاليته، ليكون حاملاً لحلم الشاعر، وانكساراته، وهما في التالي، يتواشجان مع متلقيهما، على اعتبار أن الشاعر لسان حال من حوله، ويتوجه إلى متلق معين، يتفقان معاً على الكثير من الشيفرة التي يقدمها له:
نعل ضيع صاحبه،
ومضى يبحث عنه . .
ما أوفى
هذا النعل الحافي .
نص “النعل الحافي”
نجد هنا، أن النص مع عنوانه، والأسماء والحروف التي يتضمنها لا يتجاوز خمس عشرة مفردة، إلا أنه يقدم مفارقة جد مهمة، فالنعل هو من أضاع صاحبه، بيد أنه لمن المتعارف عليه، أن يضيع صاحب النعل نعله، كما أنه وبدلاً من أن يبحث صاحب النعل عن نعله الضائع، فإن النعل يتولى المهمة . .؟! .
ثمة أنسنة للنعل، مقابل حالة تشيؤ للإنسان، وهنا، فإننا أمام صدمة كبرى، لا يمكن فهمها إلا من خلال جملة المصائر المحرجة التي آل إليها الإنسان، في هذا الزمن الذي يدعو فيه كل شيء إلى فقد معاني إنسانيته، وهي أهم ما يمكن أن يخسره المرء على الإطلاق، وستتضح دلالة المفارقة، على نحو أشدَّ درامية، عندما نعلم أن النعل، هو رمز بخس، في التقويم الأخلاقي لدى صاحبه، انطلاقاً من مهمته التي يؤديها، وتكمن في أنه ينتعله، حتى وإن استخدم النعل نفسه للدوس، لذلك فهو لا بد أن يخلع “نعله” أنى كان هناك مكان “مقدس”، أو نظيف، كما أن أي عودة إلى عنوان هذا النص “النعل الحافي”، على ضوء مثل هذه القراءة، فإنه ليتبين استمرار أنسنة الجماد .
إن تشابك الحياة اليومية، لدى الفرد، لها- بكل تأكيد -تبعاتها، ليس على اهتماماته، فحسب، بل على سيكولوجيته، لذلك، فإن أسئلة جديدة ترتبت على كاهل الإنسان، من جرَّاء انجرافه في لجَّة التفاصيل الجديدة، هذه التفاصيل التي ألغت اهتمامات كثيرة، كانت موجودة من قبل، وتهيئ له، فضاء خاصاً من التأمُّل، والعلاقة مع الآخرين، بيد أنها فرضت عليه علاقات أشد وطأة، صارت تسلبه، من داخله،ليغدو - أخيراً - على مفترق طرق، كي يجد نفسه، وجهاً لوجه، أمام شبكة علاقات جديدة، تجهز على ما ألفه، من قبل، وهذا ما يعزز حالة الغربة، والتمزق الداخليين لديه:
مللتك يا ظل
تتبعني حيثما سرت
حتى نويت المسير
بعيداً عن الشمس
كي لا أراك
ملولاً ولدت
وأنت تلاحقني في الدروب
بدعوى المحبة
خذ ما تشاء
وغب أيها الظل . .
علي أرى قامتي
في سواك .
تطول
وتقصر
كي تزرع الوهم
في مقلتيَّ . .
أنا لا أطول
إذا مالت الشمس
أو أتضاءل مثلك . .
لا أتبدل
مهما حرقت المراحل
كي تشتريني
فغب أيها الظل
كي أتنفس حريتي في الحياة
إذا كنت ظلي . . . . .
نص “ظلي”
إن ضغط اللحظة الحياتية على الشاعر، وهو الأكثر حساسية، في التعامل مع الواقع، أدى به لمراجعة كل ما حوله، ومن بين ذلك علاقته بالظل، إذ بات يعيد النظر فيه، ما يدعوه ليفلسف تناول علاقته بظله الذي يجره وراءه، على نحو شاعري، يقدم من خلاله رؤية واضحة، تجاه كابوس الاغتراب الرهيب، ويدعوه لأن يتركه، لاسيما أنه بات موقناً أنه لا يمثله، أينما استوت الشمس التي تحدِّد حجم الظل، عساه أن يجد ظله الذي يشبه، من دون أن يتبدل البتة، مادام أن قامة الشاعر حريصة أن تظل كما هي .
ولعلَّ الهمَّ الذي يعانيه الشاعر، ليس مجرَّد هم ذاتي، وإنما ثمة كثيرون من حوله، يشاركونه تجرعه، ويبدو وكأن لا مناص منه البتة، وهذا ما يدل على أن معاناة الشاعر الجديد لما تزل نسخة طبق الأصل عن معاناة سواه، ولا فصام بينه والآخرين:
كلنا متعبون
فمن ذا سيحمل من؟
أينا لم يمت بعد؟
أكثر من مرة في الحياة
ليبعث أكثر من مرة
كي يموت؟
أينا لم يمل صوب صدر أخيه
ليبكي
ويذرف بعض النجوم
الحزينة من مقلتيه؟
أينا أيها الأصدقاء
الذي لم يمت بعد
حتى نميل بأوجاعنا
كالنخيل عليه؟
نص “كلنا متعبون”
ثمة مسألة جد خطيرة، تتلمسها روح الشاعر، مفتوحة المرايا على الآخرين، وهي أن عطب الموت، بات يتسلل - بشكل عام - إلى الناس، حتى وإن بدوا داخلين في لجة الحياة نفسها، إلى تلك الدرجة التي لما يعد هناك أي تمييز بين من هو حي، ومن هو ميت نتيجة اختلاط عالمي الموت والحياة، من حولنا، ليكون هناك أحياء أمواتاً، كما أن يكون هناك أموات أحياء، وهذا ما يستنفر الشاعر، ليدعو إلى معرفة الأحياء من الأموات، وهذا نفسه، غير بعيد، عن رؤية، وموقف، باديين، مما آلت إليه حالة الإنسان، في هذه المرحلة الإنسانية الأشد وعورة، والتباساً، وإشكالاً:
همه يملاً الأرض
لكنه
يملأ الكون قهقهة
كلما زرته في المساء .
جلت في ناظريه
لأسأله
قال لي:
نفذ الدمع يا صاحبي
واضمحل البكاء .
نص “هيستريا”
واضح، هنا، أن توصيف حالة الحزن، يبلغ ذروته، مستنفداً كل أدواته، مادام أن الدموع قد نفدت، كما أن البكاء قد اضمحل، وهي صورة صادمة، صاعقة، تعتبر امتداداً طبيعياً للحالة الاغترابية المشار إليها، تصريحاً، وتلميحاً، ودليل على انسداد الأفق، من حول الشاعر، حيث لا ملاذ غير قصيدته، لتمنحه فضاءً من التأمل، ورسم تفاصيل الحالة:
سكارى
وماهم
ولكنهم
محصوا
في جهنم هذا الزمان
فجاؤوك
مثل الجراد المخدَّر
لا يعرفون الطريق . .
رؤوسهم كالجبال
وأكتافهم
ليس تقوى على حملها . .
سائرون مع الريح . .
لايعلمون إلى أين
والرِّيح عمياء،
تجري
وتُجري الذي لا يطيق المسير . . . .
سكارى . .
وماهم . .
ولكنهم . . . . .
نص “سكارى . . وماهم”
وإذا كان الشاعر، قد ودع بهرج اللغة، في مجموعة نصوصه الجديدة، بل إنه بات يتوجه إلى الصورة، المدهشة، المستفزة، وبلغة واضحة، شفافة، تظهر أبخرتها، وألسنة ألهبتها، على نحو لافت، فإن ذلك يأتي من خلال نقلة واضحة لديه، في الأساليب، والأدوات الشعرية، كي يسمِّي الأشياء، كما هي، بعيداً عن بعض فنون اللعبة الشعرية التي قد تدعو إلى سهو المتلقي عن جادة الرؤيا، والحالة الشعرية، مادام أن هناك الكثير مما يحول دون تحقق معادلة التواصل بالمتلقي، الأكثر أهمية، في عرف الشاعر، باعتباره حامل هم، وصاحب رسالة، ومعنياً بجدوى خطابه، ومتلقيه في آن واحد:
أعرفهم
فرداً فرداً
فوجاً فوجاً
أعرفها . .
أعرف أني مكشوف القلب
ومكشوف الرأس
ومكشوف الأحلام
وأعرف أني أعرف
أعرف ضعفي
أعرف خوفي
يا من لا تعرف أني أعرف
عم تفتش في عين الشمس
أما يكفيك بأن الشمس
المكشوفة للكون الأرحب شمس؟
نص “هل تعرفني؟”
إن هذا النص يكاد يصلح ليكون أنموذجاً، عن عوالم المجموعة، كاملة، من خلال التقنيات التي لجأ إليها الشاعر، في نصوصه الجديدة، كامتداد لرؤية فنية، جمالية، بل وحياتية، جديدة، لدى الشاعر، حيث إن الشفافية التي يعلن عنها في قلبه، ورأسه، وروحه، إنما هي تتواشج مع شفافية نصه الذي يقدم نفسه، واضح الصورة، واللغة، والتوتر، كما أن همومه، نفسها، باتت واضحة، واستطاع أن يشخصها، على ما هي عليه .
وجدير بالذكر، إن مجموعة “ولدت ضحى” تشكل مرحلة جديدة، في التجربة الإبداعية لدى الشاعر، في ما يتعلق بالعلاقة مع مجمل أدوات مختبره الشعري، لذلك فإن نصوصه، تأتي أقرب إلى أناشيد، وسوناتات، تنضح بالألم الإنساني، وهو في ذروة اشتعاله، ليسمي الشاعر أوجاعه، بلا توريات، أو مواربات، أو فنتازيا، مادامت هذه السوناتات الشجية، أقدر على مواجهة متاعبه الثقيلة، كما أنها الأقرب إلى متلقيه، هذا المتلقي الأحوج إلى من يسمي أحلامه المنكسرة، كما هي، متوائمة، ومتساوقة، مع لحظة الشاعر نفسها:
كنا نبحث
عن أوفى الناس
وأصدقهم
صرنا نبحث
عن حيّات
لا تلدغ
من يطعمها . .
نص "الصديق"