الشعر . . ملجأ الناس ومرآة السعادة والحزن





قديماً كان الشعر متفاعلاً في أوساط الناس، قريباً من همومهم الحياتية والاجتماعية والثقافية والنفسية والفنية، وقد استطاع النقد الحديث عبر رصد ظاهرة تأثير الشعر في الناس إبداع ما يسمى ب »ظاهرة التلقي« في الأدب، وعلاقة المتلقي بالنص الشعري، وكان أن اهتدى النقد إلى مثلث المبدع والنص والمخاطب، ويقيناً أن مبدع النص يحتل أهمية قصوى في هذه المعادلة، فإليه يرجع دائماً صياغة ما يجعله مؤثراً في الناس، وذلك بتثقيف مشروعه الشعري وتجويده وإكمال صياغته على النحو الذي يجعله مقبولاً لدى المتلقي .

من هنا تولدت سلسلة من العلاقات الطيبة بين منتج النص الشعري ومتلقي خطابه، واندمج الاثنان في بوتقة الحفاظ على الكينونة والهوية، والحفاظ على المقومات والمكتسبات التي تهم المجموع .

يبقى الشعر ما بقيت الحياة، هذا ما يؤمن به الشعراء في كل مكان على ظهر البسيطة، وهو ما حاولنا استجلاءه عبر عدد من المبدعين الإماراتيين، حيث أكد الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم »أن الشعر باق ما بقيت الحياة، بل إن الشعر هو مرآة السعيد والحزين، والإنسان لا يستطيع العيش إلا بالشعر، على اختلاف مشاربهم، وهو أي الشعر ملجأ الناس في ظل الضغوط، وهو ما يمنحهم متعة الخيال والتحليق في ذواتهم، وعلاقاتهم مع ما يحيط بهم من مؤثرات وأشجان وطموحات« .

وقال الشاعر عبدالله السبب: »تأثير الشعر في متلقيه لم يعد بالشكل الذي كان عليه من قبل، في ما قبل كان التأثير مباشراً وقوياً، ويكاد يكون وحيداً، بل كان فريداً في عالم فنون القول والكلمة، أما الآن فإن التأثير تغير، وهذه سنة الحياة، وطبيعي أن يتم انحسار وتراجع دور الشعر عما كان عليه من قبل، وإذا تحدثنا عن تأثير الشعر فيمكن الإشارة بذلك إلى دائرة ضيقة تحيط بالشاعر، أي أن الشاعر بات يؤثر في أصدقائه، وأقربائه، وفي حدود ضيقة من القراء، لأن القارئ بات الآن يركز على العلاقة بينه وبقية أدوات التأثير والاتصال: الإنترنت - التلفزيون - الهاتف إلخ، فإنه وللحقيقة لكل قاعدة استثناء، لأنه لايزال هناك من يربط علاقته بالعالم من خلال القصيدة، ولكيلا أعمم أقوالي، فإن هذا القسم من الناس هم جد قليلين« .

وأضاف السبب: »هناك جانب آخر لابد من الحديث عنه، ونحن في مقام تأثير القصيدة في المتلقين، هذا الجانب هو عوالم الشعراء، أجل، فالشعراء يشاركون ذلك الاستثناء الذي تحدثت عنه أعلاه، لأن هؤلاء لايزالون يكتبون قصائدهم لبعضهم بعضاً ويتأثرون بإبداعات بعضهم ببعض« .

واختتم السبب: »نجد هناك تضاؤلاً في أعداد الشعراء الحقيقيين الذين يكتبون الشعر، وهو ما يؤثر في سوية الإبداع الشعري، وهنا نؤكد أنه لا داع لمكابرة الشاعر في مواصلة دفاعه عن قصيدته، فهي وحدها الجديرة بالمرافعة عن نفسها« .

وقال الشاعر عبدالله الهدية: »الشعر كان ولايزال العامل المؤثر، لأن العربي بطبيعة حاله عاطفي، وهذا - تحديداً - كان سبب بلوغ كتاباته أبعد حد في موضوع البكائيات، هذه البكائيات التي يحتاج إبداعها إلى درجة رفيعة وعالية من المشاعر والحساسية وقوة التأثر بالمحيط« .

ورأى الهدية أن العربي منذ بدايته اقترن عقله بروحه وبنفسه، وإنه من خلال هذه التوأمة الثلاثية فإننا نجد الكلمة، والكلمة هنا هي الشعر، إنها من النوع الراقي والكريم من لغة الإنسان، ومن هنا فإن هذا النوع من الكلمات شديد الوقع على متلقيه، فالنفس إن لامست العقل والقلب، وتهيأ لهذه الحالة أن تكون تحت مظلة سمو الروح، فإن درجة سطوة القصيدة وتأثيرها تبلغ الدرجات الأعلى على الإطلاق« .

وأضاف الهدية: »من يتابع تاريخ الإنسان العربي فإنه يجد أن بيتاً من الشعر ربما استطاع رفع إنسان أو خفضه، وهذا البيت الشعري قد يهيج أمة كاملة، وهو هنا يختلف - تماماً - عن الخطب الجوفاء التي لا تجدي في حضور الشعر« . وقال الهدية: نحن في المواقف الحياتية الحاسمة نستشهد ببيت من الشعر لا بمثل هذه الخطب، لأن العربي جبلت روحه على حب الشعر، وعلى هذا الأساس يمكن الجزم أن القصيدة طالما أثرت فيمن عاشوا من قبلنا، وها هي تؤثر فينا، والشعر يستمر في التأثير .