"يا من عاش" يجسد كفاح المرأة التونسية بعد الثورة





يعتبر الفيلم التونسي “يا من عاش” للمخرجة هند بوجمعة، فاتحة عهد جديد في مسيرة الإنتاجات السينمائية الوثائقية التي يعتبر الكثير من صناع السينما أنه حان الوقت لتأخذ مكانها الطبيعي ضمن المشهد البصري التونسي بدرجة أولى .

الفيلم من انتاج حبيب عطية، ودرة بوشوشة، وتصوير حاتم ناشي ومهدي بوهلال وسوار بن حسين، ومونتاج نعيمة بشيري وإيمان عبد الباري و مهدي برصاوي، وسيناريو مخرجة الفيلم نفسها حيث أسهمت في كتابة سيناريوهات عدد من الأفلام التونسية، وتدرس كتابة السيناريو في “ايدوكاتل باريس” إذ أخرجت فيلمها القصير الأول في عام 2008م واشتركت بكتابة سيناريو فيلمها “تحت الجنة” لمصلحة برامج التدريب في ميديا فيلم، وأخرجت العديد من أفلام الحملة الترويجية ل “مهرجان قرطاج” السينمائي عامي 2008م و م2010 وهي خريجة معهد بروكسل للاقتصاد .

يتناول فيلم “يا من عاش” في 71 دقيقة، كفاح امرأة من عائلة فقيرة من أجل تحسين وضعها الاجتماعي وتوفير أبسط شروط العيش الكريم بعد أن فتحت ثورة 14 يناير/ كانون الثاني 2011م في تونس الأبواب أمام المعدمين أمثالها للمطالبة بحقهم في الحياة والتمتع بخيرات البلاد، ففي الحقيقة لا شيء تغير في تونس ما بعد زين العابدين بن علي، هذا ما تقوله عايدة كعبي بطلة الفيلم، المرمية بلا مأوى حيث تمضي من حي إلى آخر ومن بيت إلى آخر، وهي تسعى لإيجاد أربعة جدران تأويها هي وأولادها في تونس . بمتابعة مشاهد الفيلم بالتقنية العالية المستخدمة في التصوير، والحبكة القصصية بأدق التفاصيل، يشعر المتلقي بأنه أمام معالجة سينمائية أكبر من كونه فيلماً وثائقياً، بسبب ما يعرضه من مشاهد ومن قسوة الحياة التي تواجهها هذه المرأة مع أولادها، حيث يقدم الفيلم وثيقة مهمة حول ما يحدث في تونس والبلدان العربية عموماً، فحال عائلة عايدة كعبي التونسية عبارة عن صورة مصغرة عما يمكن أن تكون عليه حال معظم العائلات العربية . ما يميز فيلم هند أنها بحثت فيه عن المواطن الذي يطالب بحقه، ومن يتابع الفيلم يشاهد حركات الكاميرا التي توثق لقطات قصة بائسة، بكل تفاصيلها، في أحد المشاهد تقودنا الكاميرا إلى سجن النساء في تونس ثم تقف الكاميرا مع ابنها المعاق أمام باب السجن لتستقبلها عند خروجها، في إيحاء أنها سجنت ظلماً هذه المرة بعد اتهامها بسرقة سيدة كانت تعمل في تنظيف منزلها . وفي ظل التحولات التي عاشها المجتمع التونسي عموماً، وبعد مرور ما يربو على سنتين على سقوط زين العابدين بن علي والأحداث التي تشهدها المنطقة العربية، كيف تنظر هند بوجمعة كمخرجة وكمواطنة إلى ما يجري على أرض الواقع؟ فهي كما تصف، وجدت بطلة الفيلم في الشارع، حيث كان الجميع بعد الثورة ورحيل زين العابدين بن علي موجوداً والناس تشعر بأنهم أصبحوا أسرة تقطن بيتاً واحداً، إلا أن هذه الفتاة كانت منزوية مع ولدها في إحدى جنبات الشارع، فأثارت فضولي للحديث معها، ومن خلال تقاطعات وملامح وجهها اكتشفت أنها تعيش معاناة كبيرة، وخلال ساعة فقط قررت أن أتتبعها، لتوثيق قصتها . أما عن الطريقة التي اتبعتها المخرجة في صنع عملها فتقول: ذهبت إلى الفيلم عن طريق قلبي ولم أبحث عنه كثيراً، حملت الكاميرا واعتمدت على إحساسي، لدرجة أني لم أشاهد ما صورته لفترة طويلة، ولم أكن أريد الحصول على عمليات محسوبة تأخذ الفيلم في اتجاه آخر، فإنتاجه بلغ 120 ألف دولار جاءت كلها من صناديق الدعم، واعتمدت في التصوير على أنواع مختلفة من الكاميرات الرقمية، حيث لاحقت بها طوال سنة ونصف بطلة القصة خلال الثورة وبعدها، فقط ليطل المشاهد على واقع تلك الأم الفقيرة والمعدمة والمطلقة، لها من الأولاد أربعة اثنان منهم وضعا في دار رعاية وأحدهم معاق تهتم به الوالدة التي لا تمتلك سكنا محترماً ولا عملاً يقيها شر العوز بعد طلاقها المبكر .

فيلم “يا من عاش” وثائقي يعكس التحولات التي عاشها المجتمع التونسي، ويعتبره منتج الفيلم حبيب عطية صفعة على وجه أولئك الذين تناسوا الشعب التونسي ما بعد الثورة، فهذه النوعية من الأفلام لها مكانة كبيرة في المشهد السينمائي العربي، وما كان لها أن تتنتج في فترات سابقة . وهنا يشدد حبيب، على أهمية مسألة الإنتاج العربي الكامل للفيلم الذي أنجز من دون أي منتج غربي الذي كان من الممكن أن يطلب تغييرات في السيناريو، حيث أصبحت للأفلام العربية الوثائقية صناديق دعم عربية عدة، وهو أمر مستجد على ساحة الانتاج الوثائقي العربي، ولكن التلفزيونات لم تقم بعد بدورها المطلوب للمشاركة في إنتاج الأفلام الوثائقية كما هي الحال في الكثير من بلدان العالم .