-




الكلمة


*جريدة الخليج



نور المحمود:

سحرها يغريني، يأخذني إلى عوالم أخرى لم أرها من قبل ولن أراها من بعد.


تشدّني من يدي، تحرّكها لترسم بحبر أسود كل نبضة تنساب من قلبي إلى عروقي، وكأنه يخفق على الورق حباً وخوفاً، فرحاً وحزناً.


على إيقاعها ترقص العيون، تتمايل عشقاً، تتسارع هرباً، تنطوي وتنغلق اكتئاباً، وتمطر على الخدود دمعاً.


هي أنت وأنا. هي قصتنا التي نعيشها وماضينا الذي رحل. هي تاريخ أجدادنا، حوار أجيالنا، لغة أهلنا، هوية جذورنا وحاضرنا.


هي قصيدة العشاق، ومرآة الأصدقاء، ولحن الأوفياء.. هي أشواق المهاجرين، وحنين العائدين، ودفء في صقيع الاغتراب.. ليست حريرية دائماً، بل تصبح كتلة من الجمر في لحظات الحقد والشر.


هي لعبة المنافقين، وهؤلاء المتاجرين بها، والمتسلقين فوق الجراح وفوق البشر، وهؤلاء المتلاعبين بالعقول وبالعواطف.. هي الورود التي ترشق بها الناس، أو الحجارة التي ترميها فتجرحهم، والرصاص الذي تقتل به النفوس.


تحملها معك، تلتصق بك، حتى تصبح توأم عقلك وكل ذاتك. تتخيلها فرساً جامحاً في صحراء بدنك وكل كيانك، ولجام الفرس بين يديك، هل تتركه يسقطك أرضاً بجنونه؟ أم تتحكم به فتروضه؟ أم تتراقص معه فوق حبال الظروف والحياة؟


إنها الكلمة يا صديقي، سواء قلتها طيبة، أم أطلقتها كالسهام السامة في أبدان الناس، فهي أنت. وسواء قلتها صادقة، دفاعاً عن حق مهدر، أو عن معتقد تؤمن به، أو تعبيراً عن أفكارك وأحلامك، فهي أنت.


لا تفارقك إلا لتخرج من معبرين هما فمك أو يدك، فأنت تحكي وتكتب، وهي ترسل للناس رسائل عنك وعن أفكارك وعن مشاعرك. مهما قلت، ومهما قدمت فيها من أفكار للآخرين، ومهما حولتها إلى مهنة أو رسالة أو وسيلة للتواصل، فهي مجرد أشكال ومقدمات لما يجول في خاطرك. كل كلماتك تتضمن في ثنايا حروفها وسطورها ما يعنيك وما يعتريك وما يشغل بالك. حتى المنافق يسقط في مطبات الكلمة ومعانيها، فمفعول سحرها عجيب، يستغله المنافق في البداية ليبهر الناس به، ثم ينقلب السحر على الساحر ولو بعد حين، وتتعرى تلك الكلمات من زيفها لتكشف عورة صاحبها.


قلها في عزاء لحرية، أو في دفن لآدمية، قلها في عرس أو انتصار. قلها في الصباح والمساء، قلها حباً أو غضباً.. قلها كيفما شئت، واعلم أنها "أنت" التي تبقى متألقة متأصلة مهما عرّتها عوامل الحياة، أو "أنت" التي تنخسف تحت التراب خزياً مع أول عاصفة صدق تهب على حروفها.