-


انحدار الأدب


*جريدة الخليج




محمد أبو عرب:

لم يتوقف الحديث عن انحدار المنتج الأدبي منذ أكثر من ثلاثة عقود ماضية، وربما أخذ يشكل حالة مكرسة لا يتم فيها الحديث عن الحالة الإبداعية العربية الراهنة، من دون إعلان الجمل العريضة التي تشير إلى رداءة المنتج العربي الإبداعي على المستويات كافة، يرافق ذلك حالة من الحنين والتحسر على سنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وكأن الأدب فيها كان يشهد تطوراً لافتاً وصل فيه إلى ذروته وما كل ما يقدم اليوم سوى حالة تراجع وانهيار لجملة القيم الجمالية التي كانت سائدة.


يحق لمن يرى أن ما يجري ليس سوى حالة تردي وأن يعبر عن ذلك بالصيغة التي يراها مناسبة، لكن في الوقت نفسه ينبغي التوقف ملياً عند ما يتم تقديمه وقراءته ضمن فضائه التاريخي وموقعه التراكمي الذي حققه بعد ما أنجزته الأجيال السابقة، كما ينبغي قراءة تاريخ الحركة الأدبية منذ العصر الجاهلي حتى اليوم، كل مرحلة واحدة على حدة، وكل واحدة ضمن زمانها، أي بمعنى آخر النظر إلى الشعر العباسي بعين من عاش في تلك المرحلة، وكذلك الحال فيما يتعلق بسائر العصور والمراحل.


لا شك أن النظر إلى المنتج الإبداعي في سياقه التاريخي سيغير الكثير من المفاهيم والأحكام التي لا يتوقف النقاد والكتاب عن إطلاقها جزافاً، إذ بالنظر إلى متغيرات العصر الراهن لا يشكل الأدب وكل ما ينتج إبداعياً إلا حالة تفاعل واستجابة للمتغيرات الراهنة سواء على الصعيد السياسي، أو الاجتماعي، أو الثقافي، أو الاقتصادي للمجتمعات.


مقابل ذلك لا يمثل النثر في العصر العباسي، مثلاً، سوى استجابة للحالة العامة بكل محمولاتها، فلم يكن منفصلاً عن سياقه التاريخي، وهذا ما يفسر التغير والفارق الشاسع بين العصور على الصعيد الإبداعي، فلو كان المبدع اليوم يعيش محمولات الحياة التي كان يعيشها أبو العلاء المعري لأنجب العصر الراهن مبدعين بجودة شعره وربما أهم وأفضل.


إذاً ما الذي يجري ليظل ما هو جديد مرفوضاً، ويمثل حالة من الرداءة والانحدار؟، الإجابة معقدة بما يكفي لإعادة دراسة المجتمعات وآدابها، إلا أنه يمكن الاستناد إلى واحدة من الإجابات الأكثر منطقية في هذا الصعيد، والمتمثلة في أن المجتمعات هي التي تنتج آدابها وليس العكس، وأن الأجيال المقبلة تحتاج إلى ما يمثلها إبداعياً، لذلك لا تتوقف عجلة التطور من الاصطدام بالذائقة الجاهزة والمكرسة سابقاً.


هل يعني هذا أن الأدب يتطور بصيغة نمطية، وما يتم رؤيته بأنه انحدار، ما هو إلا تغير في معايير التلقي، أي بمعنى آخر، الأمر يشبه الحديث عن الأزياء التي يفضلها الجد مقابل الأزياء التي يفضلها الحفيد، يمكن القول بذلك لكن لا ينبغي إغفال القواعد الراسخة التي أرستها البشرية والمتعلقة في تلمس الملمح الجمالي لأي عمل إبداعي.


يبقى السؤال: كيف ينبغي أن تواكب المعايير الأدبية حالة التطور وما دور المبدع في ذلك؟