.
فكرةٌ تستغرق العمر كله
*جريدة الخليج
حسن مدن:
أكثر ما يُلفت النظر في الرواية الشهيرة للإيطالي إمبرتو إيكو، اسم الوردة، هو عنوانها. خَص الكاتب اختيارهُ لهذا العنوان بالكثير من الشرح حين سُئل ذات مرة عنه، قال إنه فكر في عناوين أخرى ربما كانت أدق في التعبير عن محتوى الرواية وأحداثها وشخوصها. لكنه اختار في النهاية أن يضع لها العنوان الذي صدرت به، لتحتفي بها الأوساط النقدية لا في إيطاليا وحدها، وإنما في أوروبا كلها، وكذلك في البلدان الأخرى عندما تُرجمت إلى اللغات الأجنبية، بما فيها اللغة العربية.
في رأي المؤلف أن العناوين التي فكر فيها في البدء كانت تُقدم مفاتيح تأويلية للرواية، لأنها تُوجه القارئ نحو دلالات معينة، بينما هو يريد من القارئ أن يُقبل على الرواية بذهنٍ مفتوح على الاحتمالات المختلفة.
وإذ يعي الكاتب أن الأشياء حين تندثر يبقى منها اسمها، فإنه أراد عنواناً يعبر عن متاهة المعاني التي تتضمنها الرواية، بحيث يزج هذا العنوان القارئ في تأويلات شتى، كأنه يترك لهذا القارئ حرية أن يؤول النص بالطريقة التي تصل إليه.
عندما كان إمبرتو ايكو لم يزل طالباً في الجامعة سمع أستاذه يقول إن الإنسان يولد بفكرة واحدة في الرأس، ونحن لا نفعل شيئاً آخر على مدى وجودنا كله سوى تطوير هذه الفكرة.
يومها بدت له هذه فكرة رجعية، لأنها تنفي إمكانات التحول في حياة المرء، ولكنه عندما بلغ الخمسين أدرك أن أستاذه كان على حق، فعلى مدى حياته كلها، كما يقول، لم يفعل شيئاً سوى مواصلة الحفر في الفكرة نفسها.
بهذا المعنى لا تغدو اسم الوردة وحدها التي بدت لنا متاهة من المعاني، مجرد تنويع على فكرة واحدة، وأن هذه الفكرة تُشكل بؤرة كل التفريعات التي تنشأ عنها، وإنما أيضاً حياة الكاتب، أي كاتب، هي كلها مجرد تنويع على فكرةٍ جوهرية تستغرق العمر كله.
وهذه مسألة حرية بالتوقف أمامها من قبل كلٍ منا، لأننا قد نشعر بأنه بعد طول تجريب وتنقلات في الحياة إنما نعود إلى ذواتنا، إلى دائرة اهتمامنا الأولى التي قد تعجز كل الترويضات عن قمعها ومصادرتها.
جدير بكل منا أن يفكر: أين هي الفكرة التي تشكل بؤرة حياته ومغزاها؟ وكيف تتجلى أشكال تطويره لهذه الفكرة؟