|
|
بقلم :ياسر سعيد حارب
![]()
أتى رجل في منتصف الأربعينات من عمره إلى والده الذي جاوز السبعين، مطأطئ الرأس حزيناً لا يدري ماذا به، فسأله أبوه عن سبب تغيّر حاله، فلم يعرف ماذا يجيبه، فهو نفسه قد عجز عن معرفة أسباب تغيّر حاله فجأة. كان أبوه ظريفاً وسريع البديهة فقال له: «فلان يسكن في حيّنا، وفلان يسكن في المدينة المجاورة، وفلان مات، أما فلان فصحّته ممتازة. لقد كان الجو صحواً بالأمس، آه لقد نسيت، هناك عطل في سيّارتي...».
فاستوقفه الابن فجأة وسأله عن قصده من هذا الكلام المبعثر، فقال له: «إنني أريد أن أحلّ مشكلتك ببساطة. لو فكّر كل واحد منا بهذه الطريقة لما استطعنا أن نعيش، إن مشكلتك هي أنّك تفكّر كثيرا. عِش حياتك بالطريقة الصحيحة، وافعل الصواب، ثم استعد للموت دون أن تزحم رأسك بكل الأفكار المتناثرة التي تطير من حولك في السماء».
لم يعلم الأب أن ابنه كان يمرّ بما اصطلح عليه علمياً «أزمة منتصف العمر»، وهي حالة نفسية تمر على معظم الرجال والنساء فوق سنّ الأربعين تقريباً، حيث يقضون بضع سنوات تائهين نفسياً، لا يعرفون ماذا يريدون من الحياة، ويشعرون بالإحباط وبضعف ثقتهم بأنفسهم في كثير من الأحيان.
يُقال إن السبب الرئيسي لتعرض بعض الناس لهذه الأزمة هي المستجدات التي تطرأ عليهم دون أن يحسبوا لها حساباً، على الرغم من كونها ماثلة أمامهم منذ زمن، كأن يروا أبناءهم وبناتهم وقد نضجوا وأصبحوا بالغين، أو أن يلاحظوا تغيّرات في أجسامهم التي أعْمَل فيها الزمن معاول الوقت والمرض، أو أن ينتبهوا فجأة إلى أنهم يعملون في نفس الوظيفة منذ زمن طويل.
لست بصدد تحليل الأسباب والعلاجات، ولكنني أعتقد أن الإنسان يصل في مرحلة من مراحل حياته إلى نقطة يسأل فيها نفسه السؤالين التاليين: «ماذا حققتُ إلى الآن؟ وماذا سأفعل في المدة المتبقية لي؟» ثم لا شك أن أزمة منتصف العمر أساسها التفكير في الموت، وليس بالضرورة أن ينبع هذا التفكير من خشية الموت نفسه، ولكن هناك من الناس من لا يريد أن يفارق الدنيا دون أن يحقق شيئاً يذكر، سواء كان ذلك على مستوى الرغبات الشخصية البسيطة، أو الإنجازات الإنسانية الكبيرة.
بعض الناس لا يعير الموت اهتماماً، فهو بالنسبة إليه حقيقة واقعة مثل شروق الشمس وغروبها، لا يمكنه تغييرها، وكل ما في وسعه القيام به هو التأقلم معها أو مع فكرتها. أكثر ما أستغرب منه عند ذكر الموت، هو كيفية قيام بعض الناس بترتيبات كثيرة لما سيحدث بعده، ولا أعني هنا ترتيبات تتعلق بالقيام بأعمال صالحة تقرّبهم من الجنّة وتبعدهم عن النار، ولكن أعني ترتيبات الميراث، وتقسيم الأملاك، أو ترتيبات انتقال السلطة... الخ.
وهناك من يهتمّ كثيراً بما سيُكتب عنه بعد وفاته، وماذا سيقول الناس عنه عندما يذكرونه في الملأ بعد رحيله، وهناك أيضاً من يتبرّع بكل ما يملك عندما يشعر بقرب أجله، لكي يموت وهو مرتاح الضمير، وخير مثال على ذلك المليونير الأميركي «وارِنْ بَفِت»، الذي تبرّع بثلاثة وثلاثين مليار دولار لصالح جمعية «جيتس» الخيرية، ولم يبق لأبنائه إلا بضعة ملايين!
إن أزمة منتصف العمر هي انعكاس لعمر الإنسان الذي مضى، وهي استشراف حقيقي لما تبقّى منه. إن من يمرّ بتلك الأزمة عليه أن يكون سعيداً، فهي ليست بالضرورة تنبيها له بقرب أجله، بل قد تكون بداية حياته الفعلية.
أذكر أن خال جدّتي ـ رحمهما الله ـ مات عن عمر ناهز 112 سنة، أي أنّه كان يبلغ من العمر أثناء الحرب العالمية الثانية خمسين عاماً تقريباً. فكّرت في خالي كثيراً، هل كان يتصوّر في تلك الأيام أنه سيعيش ليرى العالم أكثر سلاماً بعد تلك الحقبة؟ أليس من الطبيعي أن يشعر رجل في ذلك الوقت بأن حياته قد أوشكت على الانقضاء في ظل تلك الظروف السيئة التي عاشها العالم أجمع؟ لقد كان خالي من أكثر الناس مرحاً، وعلى الرغم من أنّه فقد كلتا قدميه بسبب المرض، إلا أن النكتة كانت لا تفارقه. أتذكره عندما كان مسجّى أمامنا وهو ملفوف في كفنه، حيث كنت أتخيّله يلقي علينا إحدى نكاته تلك.
لم أشعر يوماً بأنه سيفارق الدنيا، كان يعيش يومه مثلما أتى، ولم يكن يودّعه أبداً. كان يلاطف الممرضين والممرضات في المستشفى، وكان يحمد الله كل يوم على جودة العلاج الذي كان يتلقّاه، على الرغم من سوئه.
إن أزمة منتصف العمر هي أزمة العمر كلّه، هي أزمة الفراغ، وأزمة اللاطموح أيضاً. هي أزمة الانغماس في العمل، والإخلاص الذي يزيد على الحد حتى يصل إلى الخيانة. خيانة البدن، وخيانة الأسرة، وخيانة الروح... في سبيل ماذا؟ لا أحد يعلم، كل ما نعلمه أننا نمرّ بأزمة منتصف العمر، ولا ندري هل فعلاً انتصفت أعمارنا أم انتهت، أم أنّها قد بدأت الآن!
أزمة منتصف العمر هي أزمة اللاهوية، وأزمة البحث عن انتماء، فعندما ينتمي الإنسان لهدف معيّن فإن جميع أزماته تذوب في بحر ذلك الهدف. كنت أشاهد قبل يومين مقابلة للدكتور زاهي حوّاس، أمين عام المجلس الأعلى للآثار في مصر، وأحد عمالقة علم الآثار في العالم، فسأله المذيع عن الآثار الإسلامية والقبطية في مصر، فقال له: «لا أعلم، أنا عالم آثار فرعونية، ولا يمكنني أن أتحدث في غيرها».
أراهن أن زاهي حوّاس لا يعرف ماذا تعني أزمة منتصف العمر، فهدفه واضح، وهو أن يعيد لمصر مكانتها الأثرية في العالم، وهو يسعى من أجل تحقيق ذلك الهدف منذ أن كان شاباً يافعاً. لا يعاني مثل هذا من أي أزمة نفسية في حياته غير أزمة الهدف، ذلك الهدف الذي سيبقيه حياً حتى بعد مماته.
هناك من يعتقد أن الخير كلّه في التفرّغ للعبادة فقط، ونبذ الحياة بكل ما فيها حتى لا يفاجئه الموت وهو لم يستزد من الحسنات. وهناك من يعتقد أن عليه أن يعيش حياته «بالطول والعرض»، وفي النهاية فإنه سيدخل الجنة برحمة الله تعالى لا بأعماله، وهناك من يوازن بين الرأيين.
أياً كان موقعك من الإعراب، فاعلم دائماً أن أزمتنا ليست في البحث عن أسرار الحياة، ولكنها في السعي لطمس أسرار الموت.
كاتب إماراتي
ما بال بعض الناس صاروا أبحرًا
يخفون تحت الحب حقد الحاقدين
يتقابلون بأذرع مفتوحة
والكره فيهم قد أطل من العيون
يا ليت بين يدي مرآة ترى
ما في قلوب الناس من أمر دفين
يا رب إن ضاقت الناس عما فيا من خير
فـ عفوك لا يضيق
(((( راشد ))))