-
6 - 12 - 2009, 11:46 AM
#1
قصتان
قصتــان
اعتدال رافع
القربان
ماكنت أعرف أن زيارتي لخالتي «آمنة «سيضع حدّاً لمعاناة وآلام دجاجتها السوداء «المكلومة «التي ينهمر عرفها الأحمر على خدّها كستارة محارب أثخنته الجراح..
لو كنت أعرف أن خالتي «آمنه «قد قررت ذبح دجاجتها احتفالاً بقدومي.. لكنت ألغيت تلك الزيارة التي عمّدت بدم دجاجة بريئة ومسكينة:
من زمان قبل أن ألد أنا وتولد خالتي ودجاجاتها كانت القرابين على اختلاف مناسباتها يدفع ثمنها الأبرياء العزّل من النساء والأطفال والأكباش.
تقول خالتي «آمنة «أنها عزمت على ذبح دجاجتها السوداء قبل مجيئي ، وكان عليها أن تذبحها منذ شهر لتختصر آلامها وتحرم الديك المتغطرس من متعة اعتلائها وتهشيم رأسها بنقرات منقاره القاسي ، وانهالت خالتي باللوم على دجاجتها السوداء التي كانت خير خادمة للديك من بين كل الدجاجات.
وكانت ما أن تراه يقترب منها حتى تغمض جفنيها المقرّحين وتخفض جناحيها وتنكّس رأسها. ثمّ ماتلبث خالتي أن تخفّف من لومها على الدجاجة قائلة بصوت مخنوق النبرات:
المعتّرة طالعة إلي... وهي أحياناّ أكثر جرأة مني عندما تملأ الدنيا بالصياح فرحة ببيضتها لتذكّرنا بوجودها المثمر.. ونحن لا نخجل عندما نسرق بيضها من تحتها وهو ما زال دافئاً يحمل رائحة أحشائها.
حكيت لخالتي «آمنة «عن البوذيين الذين يقولون أن البيضة للدجاجة والحليب للبقرة محرّمة عليهم.
دهشت وعلّقت على كلامي غير مصدّقة لأن بيض الدجاج وحليب البقرة هما المصدر الغذائي الوحيد والرئيسي في القرية وسألتني ، ماذا يأكلون. قلت لها أنهم نباتيّون يعيشون على الخضار فقط.
في هذه الأثناء حزّت «آمنة «عنق الدجاجة.. وتركتها على حرّيتها ترقص رقصتها الأخيرة.. وأنا أغمض عيني لأن رقص الطيور المذبوحة يؤلم قلبي.
قصّة واقعيّة
جارنا فؤاد رحمه الله كان يعشق الشعر والشعراء، ويعجب أيما عجب بما تجود به مخيلته الشعرية, وكان مرتادو الحانات هم جمهوره الوحيد.عندما يقرأ قصائده عليهم كانت أكفّهم تتورّم من التصفيق، وحناجرهم تبحّ من صيحات الإعجاب، وكان فؤاد يطفح بالعظمة ويشعر أنه أمير شعراء كل الدهور والعصور.
عندما تفرغ الحانة من زبائنها يعود إلى بيته «مطوطحا «وهو يردد شعر المتنبي:
الخيل والليل والبيداء تعرفني...
يشق صوته حلكة الليل ويتفاقم لديه الشعور بالأهمية.
وكلّما ترنّم بالخيل والليل كان يخبط الأرض بقدمه ويوقظ زوجته وأولاده يستغلّ فترة صحوهم ليقرأ عليهم قصيدته العصماء الأخيرة.
يديرون له أقفيتهم ويعودون إلى نومهم جائعين وهم يحلمون برغيف الخبز !
كان المتنبي مثله الأعلى. لذلك قرر أن يحذو حذوه ويطرق باب البيك لينال حظوته وعطائه كما فعل سلفه المتنبي مع سيف الدولة. ليشبع أولاده الجياع و يبرهن لهم أن الشعر يطعم خبزا ومجدا....
ربما أقتنعوا بموهبته الشعرية وهللوا وصفّقوا له كما يفعل أصدقاؤه في الحانة بدلا من أن يديروا له أقفيتهم. من أجل ذلك، قرّر فؤاد أن ينظم قصيدة طويلة يخلّد بها البيك مستعرضا
مواقفه الوطنية وفضل أياديه البيضاء على الوطن والإنسانية...... وزيارته شخصيّا والمثول بين يديه ليقرأ في حضرته قصيدته العصماء، و من أجل أن يضفي على قصيدته قيمة جماليةوعذوبة با ذ خة اصطحب ابنته زينة ذات الأربعة عشر ربيعا بعد أن ألبستها أمها فستان العيد الجلّناري الذي أشترته لها من البالة وفردت لها ضفائرها الشقراء فهطلت على ظهرها
كأمواج الشمس..
صارت زينة قصيدة تبزّ قصيدة أبيها.
أمسك فؤاد ابنته بيد وباليد الأخرى قصيدته وقصد البيك في قصره الصيفي وكلّه أمل بأن البيك سيرحب به ويثني على جمال ابنته وقصيدته ويغرقه بكرمه وربما أصبح صديقه وشاعره الخاص....
ولكنّه ما كاد يخطو خطوتين في حديقة القصر حتي هاشت عليه جوقة الكلاب... أطلق قدميه للريح وهو يجرّ زينه خلفه كجرو صغير .. صراخها الذي اختلط بنباح الكلاب كان يفلق الصخر ويبكي الحجر.
في معمعة الهروب هذه، أطاح الخوف بالورقة الزرقاء المؤطرة بالورود التي كتب عليها فؤاد قصيدته...
تقاذفتها وتناوشت عليها أشداق الكلاب.
في مساء ذلك اليوم ذهب إلى الحانة, وعلى غير عادته، انزوى صامتا في ركن قصي.. تجرّع بطحة عرق «سك». زاغت عيناه وفتل رأسه وهبط إلى الطاولة:
غادره ضجيجه عندما توقف فؤاده عن الخفقان.
* نقلا عن الثورة السورية،،
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى