الكائنات كما البشر تماماً، تُجيد الإشارات وتستقبل الرسائل وتستجيب للبيئة المحيطة، ومن هنا ولدت علاقة الإماراتي على الساحل بأسماك الخليج وخيراته، حتى اتقن التعامل معها بطرق حرفية ماهرة ترجمتها أدوات الصيد ووسائله، وكما حال جميع سكان السواحل في العالم، فإن لكل منطقة طرقا مختلفة للصيد تعتمد بشكل رئيسي على طبيعة الأسماك والمنطقة المتواجدة بها.
[IMG]http://www.albayan.ae/servlet/Satellite?blobcol=urllowres&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey= id&blobtable=CImage&blobwhere=1250780932705&cachecontrol=0%2 C4%2C12%2C16%2C20%3A00%3A00+*%2F*%2F*&ssbinary=true[/IMG]
ويمكن تحديد طرق صيد السمك اعتماداً على حجمها، فالأسماك الصغيرة المُسماة بـ «العومة»، يتم اصطيادها عادةً بطريقة «الضغوة»، وهي طريقة لصيد الأسماك الساحلية عبر شباك كبيرة، ذات فتحات ضيقة، يقوم بغمرها الصيادون في البحر حتى تمتلئ بالأسماك، واشتهر بها أهالي الإمارات الشمالية والساحل الشرقي، والتي تستخدم غالباً لصيد أسماك العومة (السردين) بكميات كبيرة. وبعض الأسماك مثل البرية والصيما وأصناف أخرى من الأسماك، ويُسمى من يصيد بطريقة الضغوة «الضغاية»، ولهم أناشيدهم الشعبية الخاصة التي تصاحب عملية الصيد، وفرز الأسماك، وقد اشتهر أحد الأحياء بمنطقة ديرة بطريقة الضغوة في صيد السمك، حتى سُمي أحد أحيائها بفريج الضغاية.
والذي يقع بمحاذاة سوق الذهب الذي اتخذ مكاناً له بين أروقة أقدم الأحياء السكنية التي استوطنها الأهالي في إمارة دبي. وهي منطقة ذات تاريخ ممتد، وبعد تراثي وحضاري بارز، مستمدة من قاطنيها الأوائل، فالضغاية هو مصطلح عامي متداول، ويقصد به الأشخاص الذين يضغون أي يصيدون السمك في المنطقة.
وخلافاً لطريقة «الضغوة» وهي تعتمد ممارسة الصيد بصورة جماعية، هناك طريقة الحدق، التي لا تتطلب جهداً جماعياً، والحدق الخروج في رحلة بقوارب الصيد الصغيرة واستخدام الصنارة المُزودة بالطعم في «الميدار» وهو الخطاف المعدني، والطعم أو «الييم» يتكون عادةً من الربيان أو الخثاق وهو الحبار، أو الدود أو القواقع البحرية.
ويمكن صيد الشعري والهامور والكنعد والسكل بالصنارة، ولم يتعرف الصيادون قديماً على الخيط المُستخدم حالياً في الحدق، وهو خيط نايلون شفاف، بل كانوا يعتمدون على خيط قطني يتم معالجته بطريقة لا تجرح اليد ويمكنها تحمل الأوزان الثقيلة للأسماك.
وكان الحدق قديماً أكثر سهولة من اليوم، حيث يؤكد الصيادون أن الأسماك كانت أكثر قرباً من شاطئ البحر، أما اليوم فلا بد من الذهاب في رحلة بحرية بواسطة القوارب لممارسة هواية الحدق.
إلى جانب الطرق المتعارف عليها، هناك أدوات شائعة للصيد، أما الأداة التي تُعتبر الأكثر شُيوعاً بين أدوات الصيد تُسمى القراقير ومفردها قرقور، وتنطق محلياً جراجير.
وهي أقفاص بيضاوية الشكل صنعت منذ بدايات نشأة مهنة الصيد لدى سكان السواحل بسواعد الأجداد الذين استخدموا سعف النخيل أو أنواعا معينة من الحطب، وحديثاً الأسلاك المستوردة من الهند، وتتراوح أحجام القراقير باختلاف استخداماتها، فمنها الكبيرة المسماة «الدوباية»، ويتراوح طول القرقور بين نصف متر ومترين للأنواع الكبيرة.
وتعتمد فكرة القرقور على اعتباره مصيدة تدخلها الأسماك عبر فتحة دائرية على أحد جوانب القرقور تكون على شكل مخروطي تضيق عند النهاية لمنع هروب الأسماك للخارج، ويتم بعد حين إخراج حصيلة الأسماك من فتحة مؤقتة على الطرف الآخر تُسمى «بابه»، واستُخدم «الييم» كطعم وضع داخل القرقور للأسماك، و«الييم» عجينة من الطحين أو أسماك العومة «اسماك السردين» أو المحار وبعض الأعشاب والطحالب البحرية، ويختلف نوع الطعم حسب نوع الأسماك المراد صيدها.
وتختلف أماكن غمر القراقير بين مياه ضحلة وأخرى عميقة، وبرعت القراقير في اصطياد أسماك الهامور والصافي، وغيرها من الأنواع الأخرى، وهي أحد أكثر أدوات صيد الأسماك استهلاكاً، حيث تنشط تجارة القراقير المصنوعة من الأسلاك المعدنية بشكل كبير، وتُعتبر تجارة رائجة.
للأسماك كذلك مواسم تزدهر فيها وأخرى تختفي، أو تكون أقل فائدة، وينبئ ظهور بعض الأسماك بدخول موسم الحداق، مثل الشعري، ويبدأ الحداق وصيد الشعري قبل اشتداد البرد. وتتواجد اسماك الشعري في الأماكن الصخرية و الطينية وحول الجزر، ويتم صيدها بواسطة الصنارة (الميدار)، كما تفُضل أسماك الشعري الخثاق والربيان في الطّعم.
وبالرغم من تطور وسائل صيد الأسماك، تظل تلك التي ابتكرها الأجداد على بساطتها أكثر خبرة وتمكناً، فهي نتاج علاقة متينة نشأت على امتداد خط الساحل.. وغاصت في عمقه، لتجني خيراته.
المفلقة
من أدوات رحلة الغوص الرئيسية، والتي تُستخدم لفلق المحار لاستخراج اللؤلؤ من جوفه، وهي مصنوعة من الحديد في جزئها العلوي الحاد، والمستخدم في فتح المحار، وجزء سفلي مكون من مقبض خشبي، وتتباين أشكال «المفلقة» وأحجامها كما مبين في الصورة، وجمعها «مفالق».
إلى جانب المفلقة، يأخذ الغاصة معهم على ظهر السفينة أدوات أخرى، منها الديين، وهو جيب من الخيوط المتشابكة يمكن للغواص تعليقه في رقبته، لمعاونته في تجميع المحار والأصداف، بالإضافة إلى الفطام، وهو مشبك يضعه الغواص على أنفه ليقيه دخول الماء إلى رئتيه، ويربط الغواص في قدميه «الحجر» ليمكنه من النزول السريع إلى عمق البحر، والحجر متصل بالسفينة من خلال حبل، حتى يتمكن السيب من رفع الغواص إلى ظهر السفينة.
مثل اللي يطلب العالي يصبر على الراش
الصبر على المصاعب وخوض التحديات بجلد، مفاهيم بثتها الثقافة المحلية عبر الأمثال، مظهرةً ارتباطاً وثيقاً بالبيئة المحيطة عبر المُفردات والصور التي ترسمها، مؤكدة دور الموروث الشعبي في إبراز القيم الاجتماعية، مثل اليوم مستوحى من البيئة البحرية، وشائع الاستخدام لدى أهالي الخليج في مناطقه الساحلية، حيث يُقال «اللي يطلب العالي ..
يصبر على الراش»، والعالي هو المكان في مقدمة السفينة، والراش هو رذاذ الماء، واللفظ مأخوذ من رشّ أي بلل الشيء بقطرات الماء. ويُضرب المثل للترغيب في الصبر على المصاعب والأذى للوصول إلى أعلى المراتب، والتي يُرمز إليها بمقدمة السفينة، وفي المثل أيضاً حث على المثابرة والطموح.
ويُستخدم لفظ العالي في لهجة أهل السواحل والبحارة منهم، لوصف امتداد البحر شمالاً، فإذا قيل أن المركب «امعلّي» فإنه متجه للشمال، وإذا قيل «سافل» فإنه متجه للجنوب.
أما اللغة العربية فجادت بمثل شعري مشابه، «من جد وجد ومن زرع حصد.. ومن طلب العلا سهر الليالي»، وتتسع دائرة استخدام المثل في مناطق أخرى من البلاد العربية، فيُقال في العراق «اللي يريد الحلو يصبر على مره»، أما في السودان فيُقال «من كد وجد..
ومن استراح راح»، للحث على أهمية العمل والاجتهاد لنيل المراد. وللبيئة البحرية والساحلية نصيب وافر من الأمثال التي تبث القيم وتحمل في ثناياها حكمة القول، وخبرات الأجداد، فمنها من يدعو للقناعة، فيُقال «اش لك بالبحر وأهواله ورزق الله على السيف»، أي لا حاجة للطمع مادام الرزق متوفراً وفي متناول اليد، ومثل آخر ينتقد من يتباهى بمظهره بينما هو في واقع الأمر ضعيف يسقط أمام أصغر التحديات، فيُقال «شنيوب غرّق يمل»، والشنيوب هو سرطان البحر واليمل هو الجمل، كما أنه لا يجوز التقليل من شأن أحد مهما صغر حجمه.
يا ونتي يا ونتي ونات مكسور ونة لذي لاحم على حد
طبعه ظلام ومايه قصور عاصوف من العيوق مشتد
ابرحت حاير ما معي شور ضاع فكري كيف بارد
وآخر سبحت ابشوف لبرور والروح ساقتني إلى الند
كل اسببي من سيد الحور معرض وعني دومه مصد
كل من سألته عاند الشور داس بغياض وقال مارد
احسب شهري سبعة شهور والشهر عن حولين بالعد
الأبيات منقولة على لسان أحد الرواة من التراث الشعري البحري، والذي تم تناقله لارتباطه بحادثة ما أو حكاية، فشاعر اليوم يصف مشقته بعد ضياعه في إحدى الرحلات البحرية، ويُعاتب المحبوب ويشكو الظروف التي حالت بينهما