انتشر الظلم بين الناس حتى وصل إلى قمته في أيامنا هذه سواء كان عند المسلمين أو غيرهم.
واعتقد إن أغلب هذا النوع من المشاكل بسبب الآباء قبل الأبناء
الله سبحانه تعالى يقول: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ النساء:11، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ المؤمنون:8، وعنه : {اعدلوا بين أولادكم} رواه البخاري ومسلم، وفي رواية أخرى {إتقوا الله واعدلوا بين أولادكم}.
وقال بعض أهل العلم: إن الله سبحانه يسأل الوالِد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والِده، فإنه كما أن للأب على ابنه حقاً، فإن للابن على أبيه حقاً.
وقصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه :أن رجلاً جاء إلى عمر ابن الخطاب يشكو سوءمعاملة ابنه له، فأمر عمر أن يؤتى بالإبن، فجيء به، قال له: إنأباك يشكو سوء معاملتك له وقسوتك عليه، فقال له:
- يا أمير المؤمنين ألا تسأله ماذافعل بي..؟
قال: ماذا فعل بك..؟
فقال الابن:
-لم يحسن اختيار أمي، فاختارها مجوسية،فكنت أعيَّر بها،
-ولم يحسن تسميتي فسماني جُعْلاً (حشرة تدفع القذر بأنفها) فكانالصبيان يسخرون من اسمي،
-ولم يحسن تربيتي، فكان يهملني ولا يرفق بي.
فالتفت عمر بنالخطاب إلى الرجل
فقال له:
- "يا هذا لقد عققته قبل أن يعقك وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك".
ونستنتج من حديث عمر هذا أربع نتائج هامة:
أولا: عدم الحكم لأي إنسان بدون سماع حجة الطرف الثاني في أي مسألة حتى ولو كان المشتكي هو الأب على إبنه.
ثانيا: ان علاقة الحقوق بين الأباء والأبناء هي علاقة مترابطة متعدية تبدأ وتقدر بسلوك الأب أو الأم نحو الأبناء . فكما أن للوالِد على إبنه حقا فإن للإبن على والِده حقا...وهذه الرابطة تقدر بمقاديرها.
ثالثا: إن تربية الإنسان لإبنه ليست بالطعام والشراب فقط كما يفهم عامة الناس، فالرزق على الله سبحانه وتعالى، فهذا من واجب الأب إتجاه إبنه فهو السبب الذي أتى به إلى الحياة، فالحيوانات تطعم وتسقي أولادها الصغار ولا تطلب منهم جزاء ولاشكورا. ولكن هناك مسألة هامة في التربية عند الإنسان تميزه عن باقي الحيوانات، فهي تربية السلوك والأخلاق والأداب وتقويم الإبن إلى ما يرضي الله تعالى، فإن لم يقم بها الأب أو الأم بتاتاً فعند ذلك تسقط حقوقه إلا إذا أراد الإبن من نفسه أن يقوم بخدمة إنسانية إتجاه أباه ليرضي بها ربه.
رابعاً: وهذه هامة جداً، وهي أن عمر لم يشعر الإبن بعقدة الذنب حتى لا يزيد مآسيه بعقدٍ تحطمه خلال حياته. كأن يصب عليه جام غضبه أو يقول له: "لو كان أبي حيا لما تصرفت معه بهذا الشكل".. بل أراح صدر الإبن وطيب خاطره ونفسيته فاعترف له بأن أباه هو المشكلة وأن تصرفه إتجاه أباه كان صحيحا وذلك حتى يغلق على الإبن مأسي الماضي فينساها ليستطيع شق طريقه في الحياة، فالذنب ليس ذنبه بل ذنب أبيه. وبذلك يكون عمر قد صنع من الإبن رجلا فعلمه أن ينسى ماضيه ويتعلم من أخطاء أبيه فيتجنبها في تربية أولاده في المستقبل. فلقن عمر الإبن والأب ومن يسمع هذه القصة درسا لا يُنسى في تربية الأولاد. ولو كان حكم عمر معكوسا لأعطى بذلك إشارة خضراء للمسلمين خلال العصور كي يسيؤوا التصرف مع أولادهم كما يشاؤون وبدون قيود وأن الأولاد هم عبيد أرقاء لآبائهم وبدون حقوق.. فيفسد المجتمع.
وفي النهاية
وإنمـا أولادنا بينـنا أكبـا دَنا تـمشي عـلى الأرض
لو هبت الريحُ على بعضهم لامتنعتْ عيني مـن الغمض
ولولا حذري من الإطالة لأخذت في الإسهاب بالشرح في هذا الموضوع لأهميته فهو ليس دعوة لعقوق الوالدين بل لبناء خلية الأسرة والمجتمع، فوراء كل أمة عظيمة تربية سليمة. فيا أيها العلماء والدعاة لا تعطوا كل انتباهكم وتفكيركم لمعالجة نتائج المشكلة، فلا يصلح العطار ما أفسد الدهر، بل الأولى أن تركزوا تفكيركم وانتباهكم على معالجة أصل المشكلة وجذورها. ورحم الله أحمد شوقي حين قال:
ارضع الأخـلاق من ألبانها إن للأخلاق وقعا في الصغر