|
|
ماء بين الحنجرة والشفتين
مقال حسام ميرو/ دار الخليج
عودة الشعراء والكتاب إلى نشر مؤلفاتهم بعد غياب عن الساحة الشعرية ظاهرة مألوفة في حقل الأدب، فمن البدهي أن الشاعر على وجه الخصوص بوصفه كائناً مزاجياً، ليس بالمعنى السلبي، وإنما بمعنى الحساسية العالية تجاه ما يحيط به . تلك الحساسية التي قد تدفعه حينا إلى التوقف عن الكتابة الإبداعية، وحيناً عن النشر، ثم نراه فجأة قد عاد إلى الظهور مرة أخرى، ولكنها في الغالب عودة فيها الكثير من النضج، واتساع في الرؤية، وهو الأمر الذي تحدث عنه مطولاً الروائي الإسباني خوسيه ساراماغو الحائز على جائزة نوبل، وهو الذي توقف عن الكتابة في العشرينات من عمره، ثم عاد إلى الكتابة والنشر وهو في عامه التاسع والخمسين . وقد قال في إحدى مقابلاته الصحافية إنه توقف عن الكتابة، لأنه لم يستطع تفادي التزامه الأخلاقي تجاه عائلته، وعندما شعر أنه أنهى التزاماته كافة عاد ليكتب من جديد، وكانت كتابة فيها الكثير من اختمار التجربة الحياتية والفكرية والإنسانية، حتى وصل إلى أهم جائزة أدبية في العالم .
وفي وطننا العربي هناك أيضاً من توقف عن الكتابة أو النشر لسنوات ومنهم الشاعر الكبير نزار قباني، وظل طوال عشر سنوات معتكفاً في معتزله البريطاني بعيداً عن الأضواء، وعاد فجأة ليكتب مقالات فيها الكثير من النثر والشعر الجارحين، كأنه يعرف أن الماء الذي في فمه يجب أن يخرج قبل الرحيل، وهو في الحقيقة لم يطل به الوقت ليكتب تشاؤمه كاملاً، فقد رحل وبقية من ذلك الماء كانت لم تزل بين الحنجرة والشفتين .
في الإمارات كان معرض أبو ظبي للكتاب مناسبة لرؤية عدد من الإصدارات الجديدة لمجموعة من شعراء الثمانينات ومنهم عبد العزيز جاسم، وعادل خزام، وهما المتوقفان عن نشر أعمالهما منذ فترة طويلة، وقد كانت تلك العودة إلى النشر مفاجأة سارة لمن يعرف الرجلين، خاصة أنهما من جيل له مواقف رؤيوية مهمة في الكتابة، ومواقف فكرية من القضايا الرئيسية في الثقافة، وهي مواقف تبلورت عبر أكثر من عقدين، منها ما يميل إلى التأمل في الأبعاد الفلسفية والوجودية للكتابة ذاتها كما نلحظ من كتابات عبد العزيز جاسم التي ينشرها بين الحين والآخر في “الخليج” الثقافي، لكنه يصر أن ينشر قصائده عبر الكتب، وله في ذلك موقف خاص، يأخذ دلالاته من خصوصيته ذاتها .
نحتاج إلى تلك العودة ليس في الإمارات وحدها، وإنما في بلدان الوطن العربي كافة، عودة كتاب وكاتبات توقفوا عن النشر منذ زمن، ولا أحد يعرف تماماً في أي مقام من مقامات الحياة يقيمون، وبعضهم ما زال يكتب لكنه لا يؤمن بعملية النشر، خاصة وأن التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تركت آثاراً سلبية على الإبداع والثقافة في العقدين الأخيرين دفعت بالكثيرين إلى العزلة، والكتابة بصمت، والابتعاد عن المنابر العامة، لقناعة فيها الكثير من التشاؤم والواقعية في الوقت ذاته بتراجع دور الأدب والثقافة في المجتمع، وهي قناعة لم تأت من فراغ، وإنما من شراسة تلك التحولات التي عاصروها، ومن الخيبات التي مروا بها، ومن الأحلام التي خسروها .