|
|
روح الثـــورة
قصــة قصيـــرة
للكاتبــة: رذاذ عبــــدالله
× نشرت في الأزمنــة العربيــة
كفاح، ونضال، ونصّار، أصدقاء ولدوا في عصر النكبة، تفجرت أيامهم بالحرب والتهجير والذل والاضطهاد، تجرعوا روح الثورة منذ الصغر، أحبوا الدفاع عن الوطن، وعشقوا حجارة أرضهم التي تبقى لهم السلاح المنيع للمقاومة. يرفضون الخضوع والخنوع للعدو، يرمونهم بالحجارة، ويلاحقون دباباتهم، ويحرقون إطارات السيارات في الشوارع، مرتدين كوفياتهم التي تمثل رمزاً للكفاح ورمزاً للوطن المسلوب.
نضال يجلس في الغرفة ويستذكر أيام الامتحانات، ليكمل عامه الأخير في جامعة بير زيت، وبجانبه كفاح الذي يستمع إلى أناشيد الثورة والوطن، حيث تنشد جوليا بطرس: "وين... وين... وين...؟ وين الملايين...؟ الشعب العربي وين؟ الغضب العربي وين؟ الدم العربي وين؟ الشرف العربي وين؟ وين الملايين؟ وين...؟ وين...؟ الله معانا أقوى وأكبر من بني صهيون... يشنق يقتل يدفن يقبر أرضي ما بتهون... دمنا الأحمر والأخضر في طعم الليمون... نار الثورة تقوى تسعر.. نحنا المنتصرين... وين...؟".
نضال: كفاح! أريد أن أذاكر لاختبارات آخر العام... هل من الممكن أن تطفئ أو تخفض صوت المسجل؟.
كفاح: الله يا نضال! دمي يغلي وأنا أسمع هذا النشيد الذي يزرع في عروقي الحماس والثورة. متى ستُكتبُ لنا الشهادة؟.
نضال: أنا أعرفك ستدخل في مواضيع متشعبة وتريدني بأن أسهر معك.
كفاح: اسمع يا نضال هذا المقطع: "أقوى من الجبال... أكثر من الرمال... داخل لاعتقال نغني شهداءنا حيين... خارج الاعتقال نقاتل لا نركع لا نلين... وين...؟ اللي في وسط الضلوع أقوى من الدروع... في صدري مخزن رشاشة ونقول قوتي وين...؟".
كفاح: أحس بأني أفجر الاحتلال بيدي وأعصرهم...
نضال: سأخلد إلى النوم، وغداً الله يستر من الامتحان، ومنك يا مزعج!.
يذهب نضال إلى النوم، ويجلس كفاح يستمع إلى الأناشيد الثورية التي تلهب حماسه وتزيد من معنوياته. صور الشهداء معلقة على جدران الغرفة.
يستيقظ نضال الرابعة والنصف لأداء صلاة الفجر، ثم يوقظ كفاح ونصار. يذهبون إلى المسجد لأداء صلاة الفجر. بعد عودتهم، في الطريق يشكي نضال إزعاج كفاح له مساء أمس بالأناشيد الثورية.
يردّ نصار: أنت عايش ع الأناشيد، ما بنشوفك وقت الشدة يا كفاح...
يضحك نضال ويردّ: خليني بس أرسب بالاختبارات اليوم!.
يشرق الصباح ويذهب نصار لإعداد القهوة والفطور، لأن اليوم دوره في إعداد وجبة الفطور. يجلسون لتناول الفطور.
نصار: الشاب إللي استشهد من غزة صورته في الجريدة.
نضال: أي جريدة؟.
نصار: جريدة القدس.
يقوم كفاح بقص الصورة وتعليقها على الجدار مع باقي الصور. يستأذن نضال للذهاب إلى الجامعة. يدخل إلى الجامعة ويؤدي الاختبارات التي كانت متوسطة ولم يجد صعوبة في حلها.
يخرج مبتهجاً عائداً الساعة العاشرة والنصف.
يسمع وابلاً من التفجيرات. يذهب مسرعاً إلى البيت. يرمي الكتب والأوراق. يلتحق بالشباب لمقاومة الإسرائيليين. يرمون الحجارة إلى العدو الصهيوني داخل الدبابات والسيارات المصفحة.
كفاح: نضال... ارجع للخلف! إنهم مسرعون...
نضال: أولاد الكلب...
كفاح ونصار يذهبان لإرجاع نضال. كفاح يرمي بالحجارة إلى الدبابات التي تقترب منهم شيئاً فشيئاً.
نصار: الله أكبر... الشهادة يا شباب!...
يضرب بوابل من الحجارة تلك الدبابات التي تقف تارة وتتحرك بسرعة اتجاههم تارة أخرى، والتي أتت لتعيث فساداً وتدمر وتفجر وتقتل. يلحقه كفاح ونضال وباقي الشباب إلى هناك.
تنطلق قذيفة صوبهم من إحدى السيارات العسكرية، وتتلوها الرصاصات التي تخترق جسد كفاح ونصار ليسقطا، ونضال يجلس أمامهما ليتأكد من عدم استشهادهما، ويبكي حرقة رحيل رفيقيّ دربه.
نضال: كفاح راح شهيد، ولحقه نصار...
يأتي الشباب ليحملوهما، وتهرع سيارات الإسعاف لحملهما. وبعد صلاة الظهر والصلاة على الشهيدان، يشيع الفلسطينيون الشهيدين أسفل حرقة الشمس، وتصرخ أمهاتهم وأخواتهم لفقدان أبنائهم...
يذهب نضال للعزاء، ويقدم وصية كل من كفاح ونصار إلى والديهما. كان في وصية كفاح: "لا تبكي عليّ يمه لما أنوي فراقك... أوعي الغربة تبكيك يمه، أنا راجع لترابك... الشهيد كفاح".
أما وصية نصار: "من رحم الثورة ولدنا، وكتبت~ لنا الشهادة منذ ولدنا، فتقبلوني شهيداً يحمل راية الشرف للدفاع عن تراب وطنه الغالي المسلوب... ابنكم الشهيد: نصار".
وفي ثاني يوم عزاء يستيقظ نضال في لوعة ويذهب للصلاة بمفرده، ويحتسي قهوته المرة بمرارة، ويبكي الصمت الموحش الذي يحيط به، ويتمنى لو رحل شهيداً مع رفيقيه وصديقيه اللذين تركاه وحيداً.
يتصفح جريدة القدس ويرى صورتهما وهما مسجيان على الأرض مخضبان بالدماء، ويذكر كفاح نشيد وين الملايين: "دم الأحمرنا والأخضر في طعم الليمون...".
ويبكي لوعة غيابهما محتضناً الجريدة بين أنفاسه المذبوحة ليقصقص صورتهما ويعلقها على الجدار الذي اعتاد كفاح تعليق صور الشهداء عليه، ويكتب تاريخ الشهادة واليوم الذي فقد فيه أحبته ورفاق دربه الطويل.