|
|
نجاح أنكى من فشل
مقال خيري منصــور
دار الخليج
إذا كانت الصهيونية بدءاً من رواد ما قبل الأسرلة حتى الحالمين بالريادة الثانية أو ما يسمى استكمال حرب الاستقلال قد حققت نجاحات ميدانية، فإن حاصل جمع النجاحات أحياناً هو الفشل، وخير من عبّر عن هذه المعادلة هو شلومو رايخ المضاد للصهيونية والعاق لتعاليمها، فقد قال إنها تركض من انتصار إلى انتصار باتجاه هزيمتها المحتمة، والمسألة في سياق تاريخي بالغ التعقيد كهذا، ليست مجرد سجال رغائبي حول نصفي الزجاجة، وما إذا كانت نصف ممتلئة أو نصف فارغة، فالنجاح قدر تعلقه بالأفكار والفلسفات والمشاريع التاريخية لا يخضع لمقياس مرحلي، وهناك إمبراطوريات سادت ثم بادت رغم النجاح العسكري، لأنها خلت من اللقاحات التي تحميها بفضل النقد والمراجعة، إن لثنائية أثينا واسبارطة تجليات عديدة ومتصلة في التاريخ، وأحياناً تفتضح الأطلال ما كان سائداً وشاهقاً ذات ربيع .
لكن الخريف الذي عصف بتلك الإمبراطوريات بدءاً من الرومان كان بفضل فقدان التوازن والتناغم بين العقل والقلب، وبين القوة والعدالة . فمن ابتكروا أدوات التعذيب في كل العصور كانوا في نهاية المطاف ضحايا ابتكاراتهم، وعذّبوا بتلك الأدوات، وقد تكون أمثولة سنمار رغم رمزيتها مفتاحاً ذهبياً لقراءة هذا الملف الملغوم .
والصهيونية منذ بواكيرها وجدت بجانب من يرفعون لها القبعات ويهللون لها فلاسفة ومثقفين تنبأوا بغروبها المبكر، لأنها باختصار ليست ابنة التاريخ بقدر ما هي من إفراز الأسطورة ذات البعد الأفقي الواحد .
أرنولد توينبي وصفها عندما زار فلسطين لأول مرة بأنها خطأ تاريخي انتهى إلى خطيئة جغرافية، وما كتبه كازنتزاكي في أربعينات القرن الماضي عن فلسطين يستحق الآن أن نعود إليه كي نتذكر أن ما سماه توينبي خطأ تاريخياً كان في العمق خطأ غربياً كولونيالياً بامتياز .
والدولة الصهيونية وظيفة أكثر مما هي كيان مستكمل للأقانيم الثلاثة التي هي شروط أية دولة قابلة للاستمرار، بدأت هذه الوظيفة لعزل العراق عن قناة السويس من جهة، وكمحطة في شرق البحر المتوسط لما سماه ونستون تشرشل بتلرة الأسطول البريطاني، أي إدخال هذا الأسطول إلى الحقبة النفطية .
وسوف تخسر الصهيونية هذه الوظيفة بمرور الوقت وتحولات السياسة في العالم، وفي الصميم منه الشرق الأوسط، وهذا ما يفسر بداية الضيق النفسي والأخلاقي وحتى الاقتصادي الذي بدأ يشعر به أمريكيون وأوروبيون ضجروا من الابتزاز الدائم، واستثمار ما تراه الصهيونية الذاكرة الأوروبية الآثمة بسبب الهولوكوست .
وما كنا نسمعه من أوروبيين وأمريكيين همساً أصبح الآن يتردد في مظاهرات صاخبة، ومنه مثلاً المطالبة بالعصيان على دفع الضرائب، إذا كانت حصة الدولة الصهيونية منها خمسة عشر مليون دولار يومياً من أمريكا وحدها .
إن للتاريخ جدلية تتيح لمن يستقرئه أكثر مما يقرؤه لتزجية الوقت أن يرى في ذروة النجاح فشلاً، والتجربة الصهيونية هي المثال الطازج الآن، وما قاله شلومو عن الهزيمة كحاصل جمع لانتصارات لم يكن عابراً .