نحكي ألا نّام
يتناول كتاب «نحكي ألا نّام ؟»، لمؤلفه محمد جاسم الحميدي، والصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب-دمشق2009، موضوع الحكاية الشعبية والأسطورة في منطقة الفرات بسوريا، والتي تروي تاريخاً مقدّساً، وتحاول بأشكالها المختلفة تعليل وتفسير القضايا الكونية والإنسانية والحيوانية والنباتية، فإذا كانت أسطورة الآلهة غائبة في تراثنا الرسمي أو القديم، فإن التراث الشفوي والمكتوب، يحفل بالكثير من الأساطير التفسيرية، ونجد هذا في السير الشعبية العربية المكتوبة، فهي خليط من الحكايات الشعبية، وأسطورة البطولة، والحكايات الخرافية، والأساطير المفسرة والنوادر والألغاز.
وما زال التراث الشعبي في وادي الفرات يتداول بعض تلك الممارسات الطقوسية، ومن تلك الطقوس والاعتقادات، «أننا عند خسوف القمر، كنا نخرج إلى الشوارع، أو نصعد إلى سطوح المنازل حاملين بأيدينا القدور والأواني النحاسية، ونقرعها لإخافة الحوت الذي التهم قمرنا، ونحن نردد: «يا حوته يا منحوتة، خلي قمرنا يفوته»!
وحين يزداد هطول المطر، ويظهر قوس قزح كان الأولاد الكبار يقولون: «إنّ الله حجب الأمطار بقوس قزح ليمنعها من أن تغرق الأرض». وإذا حدثت هزّة أرضية، قالوا: «لقد نقل الثور الأرض من قرن إلى آخر».
أما الحكايات التعليلية أو التفسيرية، فإنها تدخل في مفهوم الأسطورة، ذلك أن الأسطورة تشرح بمنطق العقل البدائي ظواهر الكون والطبيعة والحيوان وحتى العادات الاجتماعية، وهذه الحكايات أسطورية اعتقادية، ونذكر منها الحكاية التي تبيّن سبب كون الماعز مكشوفة الحياء، والغنم مستورة.
ومثل هذه الحكاية التي تحكى في تفسير طيران الطيور كلها باستثناء الدجاج. ويحكون أيضاً أن القرد والبومة، وقد مسخهما الله لخطيئة ارتكبتها المرأة. ويفسرون الموت المفاجئ والأمراض، وخاصة العصبية والعقلية منها، معتقدين أنّ الجن يدخل في جسد الإنسان، وشفاؤه يكون بطرد الجن من الجسد، أحياناً بالأحذية، وأحياناً بالسيف، وأحياناً بالرقى والتعاويذ، أو بالآيات القرآنية.
وابتداعهم للحكايات المفسّرة، يؤكد من وجه آخر أن الحكاية هي أحد أهم أساليب الإجابة عن الأسئلة التي تشغل أذهانهم، وتكوّن معرفتها تؤدي إلى تراكمها.
يرى بعض الباحثين أن الخرافة أقدم من الأسطورة، وتشمل الخرافة على حكايات الجن والحيوان، وتتجلّى في موضوعاتها الاعتقادات البشرية كالتناسخ والإحيائية والطوطمية، ومظاهر المجتمع الأمومي؛ ونجد أن الحكايات الخرافية تتشابه في العالم كلّه، وقد يكون التشابه كاملاً، أو قد يكون مقتصراً على الموضوعات، إنه صراع بين الخير والشر ومواجهة الحيوانات المرعبة.
إنَ الحكاية الشعبية جاءت بعد الخرافة، فقد نشأت مع الإنسان الناضج في الحياة المدنية ذات الجماهير الفقيرة، وذات المتاعب والمصالح المشتركة والمتشابكة، إنها صورة اجتماعية أشدّ شمولاً وأكثر كمالاً من الخرافة. وقد تعاطفت مع أصحاب المهن. وهكذا تنتج كل بيئة الحكايات التي تلائمها، سواء في ما يتعلق بالمهن، أو بمستوى التطور، أو طبيعة المجتمع.
ففي المدن تظهر حكايات المهنيين، كما تشيع فيها حكايات الوعظ والإرشاد والنصائح والعبر وكيد النساء والخيانة الزوجية، وفي المجتمع القبلي، في الفرات مثلاً، تظهر مواضيع الصراع بين المتحضرين والمتمدّنين، وبين البدو ونصف المستقرين والصراعات القبلية، كما تظهر عادات مثل: «الكرم والفروسية والوفاء والعشق، وإيواء الضيف، وإغاثة المستجير، والفخر بالنسب».
وفي هذه المجتمعات جميعها، تظهر الصراعات الأسرية التقليدية الصغيرة، كصراعات الكنّات والحموات والضرائر، كما تظهر الحكايات الهزلية وحكايات التسلية، وصولاً إلى حكايات النوادر والألغاز والأحاجي والنكات.فسكان الفرات هم قبائل عربية بدوية أو نصف متحضرة، أو ما زالت على حافة البداوة، واختلاف الحياة، ونمط المعيشة بين البدو ونصف المتحضرين، قضية ساهمت في تنوع أساليب القصّ، وموضوع الحكي والسوالف، والبدو يميلون إلى الحكي عن شخصيات حقيقية كانت في ما مضى.
وهذه الشخصيات، إمّا رؤساء قبائل أو أبطال أو شعراء أو عشاق، وحكاياتهم هذه ما تلبث أنّ تشيع بين القبائل جميعها، فيتناقلونها، ويتحدثون بها تزجية للفراغ، وتذاكراً في البطولات واعتزازاً وتباهياً بالأصلاف وتفاخراً بهم، وطريقة وأسلوباً لنقل القيم والمعارف، فالحكي هو أهم أسلوب تربوي ينقل قيم الجماعة، ويصونها ويحافظ عليها.
وتمتاز تلك الحكايات بفطنة أبطالها وقدرتهم على إدراك اللمحة العابرة والإشارة السريعة، كما يمتازون بسرعة البديهة والشهامة والنخوة والفراسة، وفي هذا المجتمع يظهر «العارفة» الذي يكون رجلاً أو امرأة، واضح الرؤية، دقيق الحكم.
إنّ الكثير من الحكايات تتحدث عن هؤلاء، وتؤكد صواب نظرتهم، ولعلها بذلك إنمّا تهدف إلى وظيفة محدّدة، وهي عدم الشك في أحكامهم.
والحكايات الشعبية ترجع إلى نمط واحد تصدر عنه وتتكوّن من: الاستهلال ، البداية، حيث تستهل الحكاية الفراتية على النحو التالي: «كان يا مكان نحكي إلا نّام» فيجيبه المتلقي: «نحكي» وتبدأ الحكاية.
والراوي أصلاً، يدرك أنه لم يسيطر على المستمعين فإنّ حكايته فاشلة، يجب أنْ يتحقق الإيهام ويجب أن يتحول المستمعون إلى آذان صاغية، وعيون مفتوحة ومندهشة، ولا يتدخلون في الحكاية أو يقاطعون الراوي، ومن ثم يأتي جسم الحكاية «العرض»: بعد المقدمة يبدأ جسم الحكاية، أو الأحداث، فالحكاية أحداث متلاحقة.ويعقبها النهاية: وهي دائماً سعيدة، حيث ينال الشرير جزاء أفعاله، ويكافأ الخير.
وللحكاية أهداف نبيلة تسعى إليها، وقيم تحاول تحقيقها، وآمال تحاول أن تقتل عثرتها. فتكون: لتفسير العالم والكون وهي تحافظ على المجتمع وتحميه، وتدعو إلى التعاون والحكمة والذكاء وتحافظ على حكم العدالة بأسلوب تربوي وتعليمي.
الكتاب: نحكي ألا نّام؟ الحكاية الشعبية الفراتية
الناشر: الهيئة العامة السورية للكتاب دمشق 2009