مؤسسة محمود درويش تنهض في كفر ياسيف
ساحة باسم الشاعر الراحل في باريس
الشاعر الراحل محمود درويش مع إحدى قريباته
فلسطين المحتلة مؤسسة محمود درويش للإبداع بمشاركة شخصيات ثقافية، اجتماعية وسياسية تليت فيها كلمات من فنانين ومثقفين عرب ويهود يساريين .
ورحب المحامي جواد بولس سكرتير مؤسسة محمود درويش للإبداع، بالمشاركين والضيوف الذين شملوا وفدا مقدسيا ورئيس الحكومة الفلسطينية سلام فياض وعبد القادر الحسيني نجل الراحل فيصل الحسيني والوزير السابق أشرف العجرمي ورئيسة بلدية رام الله جانيت ميخائيل .
وأكد بولس في كلمته أن هذه المؤسسة مسؤولية شاملة وفوق حزبية وتابع “نأمل ألا يعصف أحد بها فمحمود اسم أكبر من الأحزاب وعصي على الحزبية والتحزيب وعلى الجغرافيا” .
ونوه بأنها ترمي لتحقيق عدة أهداف: “نحاول أن تكون دفيئة حاضنة للإبداع الإنساني الوطني التقدمي، وتكون ملتقى لجميع المبدعين الجدد وأن تكون ناديا ثقافيا وعنوانا للجيل الصاعد ليتعرف إلى إرث محمود درويش” .
وشدد على أن حمل هذا الاسم سبب للسعادة فمحمود ليس ماضيا انما حاضر متجدد ومستقبل نحن في المؤسسة نعيشه لحظة بلحظة وهو سبب لشحذنا بطاقة وهمة للعمل بها .
واعتبر هذه المؤسسة عنصرا للتحدي، وقال إن محمود درويش آمن أن التحدي الثقافي مع حضارات وثقافات أخرى هو أهم عناصر الندية . وأضاف بولس “كان محمود يتأسى ويحزن حينما كان يقرأ أدبا أو ثقافة يعلو صوتها على صوت الأدب والثقافة الفلسطينية، ولذلك كان مشروعه، وقد نجح به أن ينتصر ويتقدم على الآخرين، فقد استطاع محمود نقل فلسطين وقضيتها وثقافتها وحضارتها بشكلها الإنساني اليومي لجميع أنحاء العالم، وأثبت بذلك أن ثقافتنا تستطيع منافسة وتجاوز ثقافات شعوب أخرى فهو آمن أنه بالمعركة مع المحتل “الإسرائيلي” من أهم عناصرها العراك الثقافي- الحضاري وهو مثال على تفوق الفلسطيني بهذا المضمار” .
وعن مراميها أوضح بولس أن القيمين على المؤسسة يريدون لها أن تكون جسرا بين الإخوان والمتضادين، جسرا بين الإنسان والإنسان واختتم “نعي أنها مؤسسة ناشئة ستكون بحاجة للمساندة والمعاضدة ولذا نتوجه للجميع أن يكونوا عضدا لها وعلى سبيل ذلك لن نتردد في طرق الأبواب الشريفة” .
مارسيل خليفة
وفي كلمة رقيقة وملتهبة يعبر الفنان مارسيل خليفة عن بالغ شوقه وحنينه لصديقه مستذكرا ساعات صفاء وحب جمعتهما في أرجاء الدنيا . . وتعبيرا عما تختلجه نفسه من حرقة على سنوات انقضت كلحظات ينتقي الفنان اللبناني أجمل الزهرات من حديقته اللغوية وفي ما يلي نص الكلمة كاملة:
“إلى العزيز جواد هذه كلمتي لمؤسسة محمود درويش مع كل الحب، مرسيل خليفة: ما زال صدى تلك الأيام العابرة مع صديقي محمود درويش يحلّق بي على غيمة بيضاء في بيروت في القاهرة في باريس في دمشق في الجزائر في تونس في الرباط في عمان في نيورك وفي الطريق إلى القدس، في الزهرة الطالعة من جرح الصخرة، في الجلسة، في السهرة، في ليلة رأس السنة، في الفندق، في المطعم في المقهى، في الساحة، في القطار، في الباخرة، في الطائرة، في الباص، في السيارة، في كل شيء، كل شيء، كل شيء، أتنهد من أعماقي والأرض تتسع وتدور وأدور معها كغريب من دونك يا محمود، كم مرة قطعناها سوية كطير الحمام في يومين، نتبادل الحنين الذي لا يفسر من خلال دمع الغيب، نشربه حتى الثمالة، ما أجملك وأنت تعلو بالشعر وبالحب ولا تستكين وليس لك إلاّ الريح تسكنها، تدمنها، تتنفسها، أتذكر عودتنا ذات مساء من جنوبي الجنوب، تقاسمنا الطريق وقطيع الماعز الذاهب إلى حظيرته يخفي ثغاءً مبحوحاً من فرط وطأة المساء وكانت الطريق مفتوحة على القرى الممتدة قلت لي يومها، ما أجمل هذه البلاد وهؤلاء الناس الطيبين يحلمون بصياغة الحياة ولا يتوبون عن أحلامهم، يعشقون ولا يأبهون من خسارة غدهم، أعلن انتمائي إلى جهاتهم، أتذكر حفلة باريس الأخيرة على مقعد الحنين تستمع إلى التقاسيم وتعاليم حورية وكنت كالقمر المتلألأ في سمائك، في قلقك المتوّج بقوس قزح وفي الغيمة التي أينعت في عشب روحك، أنظر نحوك، أمشي باتجاهك، أطير إليك، ألمك من وحدتك في مساء بعيد ونكمل ليلنا في ساحة التروكاديرو؛ أشتهي بريق حضورك لأستعيد الدهشة الأولى، أحن إلى صداقة تأخذ عذوبة الحب، أحس بالمطر يخترق أعماقي، هل تكون هذه الكلمات أصواتاً أستعيدها من زخات المطر التي بللتنا ذات مساء، كيف تتحرّك الأمكنة والناس والأشياء والزمن، هل هذا هو ضوء الحياة أو هل هذه هي النار المشتعلة أو هل هذا هو الحب أو هل هذا هو الوهم الذي صار حياةً أرضاً كواكب نجوماً أو هي رغبة ولادة، عزلة، تذكر، نسيان حلّ فينا وتجسدنا لنبحث عن حب كثير في فضاء واسع وسع الأبد، هل هذا التذكر والتخيل وهذه الكلمات تبني حياة نكون فيها لا قبالتها، نسترد غبار الدروب الأولى الذي علق بأقدامنا ولشكل الحياة التي امتزجت بنسيم خفيف تحوّل ريحاً يحوم كالطير على أرض مدورة يداعبها بغبار النجوم، يملأ نهاراتها بنور الكواكب من ملايين السنين الضوئية في فضاء هائل، ليصل إلينا، ليحيا فينا، وليأخذنا في تمرين يومي إلى الدخول في مكمن الحياة السري، نداء يحتضن صرخة مبللة بالملح وأرض تترعرع في القمح، لا نتوحد مع الكون بل يتوحد الكون فينا، في هذا الليل الحاني يقودني حلمي إليك وأهرب من نعاسي لأدوس على عشب السماء كي أصل إليك، أشهد بأن صداقتك عششت في كياني، أذرف دمع الكلام وأناجيك كلما نهدت في منامي يخفق قلبي، أحس بطعم الغياب ويغمرني نورك، أناديك لحناً همساً حباً حلماً فهل تسمعني، كم ضاق هذا العالم برحيلك، كنت أنيقاً كعصفور طليق، وحيداً كغيمة شاردة، غزيراً كنهر هادر لا ينضب صاخباً كموجة لا تتعب من حراكها الأبدي، أتساءل من أين أتيت، ولكن لا أحد في إمكانه أن يسأل الموجة من أين أتيت؟
إلياس خوري
ومثلما فتحت المناسبة جرحا لم يندمل أصلا لدى صديقه اللبناني الفلسطيني الكاتب الإنساني إلياس خوري فقد شحذت قريحته على آداء كلمة فاح طيبها وتناثر كافوراً في فضاء المؤسسة التي تحمل اسم الشاعر الغائب الحاضر مشبهها إياه بصوت هذه الأرض “التي تعلمت أن توشوش شعرك وأن تخبئه في أضلعها” .
وفي ما يلي الكلمة كاملة للروائي اللبناني إلياس خوري
“أيها الصديقات والأصدقاء”
حيث يكون محمود درويش يكون القلب، فهذا الشاعر الذي جعل من القصيدة أرضه، غرس في أرضكم/ في أرضنا اسم فلسطين، جاعلا من جليله وجليل ابن مريم ملتقى للعشاق والحالمين والمقاومين .
من البروة إلى جزين ومن جزين إلى دير الأسد والجديدة وكفر ياسيف، حمل الفتى الذي كأنه جراح النكبة، كي يجعل منها نشيدا إنسانيا لكل المضطهدين، وأغنية كحّلت بفلسطينه عيون جميع العاشقات في العالم .
لا أقول كان محمود درويش، كي لا أسقط في الماضي الناقص، فهذا الشاعر جاءنا من المستقبل ومن الحلم، وإذا كان الموت قد غيبه، فإن الشاعر ذهب إلى الغياب كي يكمله جاعلا منه جسرا كي يلتحم الجسد بالأرض وتمشي الروح حافية على بحر الجليل .
كتب لنا محمود درويش فلسطين الحلم الذي يقاوم، فلنجعل من فلسطين الرؤيا وطننا حين نفتقد الأوطان، هذه الفلسطين مصنوعة من الحبر والدم، من الكلمات والأجساد، الكلمة تصير جسد الفلسطيني وجسد الفلسطيني يصير كلمته . وشاعركم/شاعرنا، الذي سقى أرض الجليل بكلماته، وروى شجرَتي الذاكرة والحلم بقصائده، يقف بينكم كي يذكّركم بأن المنتصر في النهاية هو من يحرس الأرض، وينتمي إلى قيم العدالة، لذا ففلسطينه/ فلسطيننا لن تُهزم وستبقى عصية على الموت .
اليوم، كما في كل يوم، يصير شعر هذا الجليلي العظيم، ماء نرويه كي نرتوي ولا نرتوي . ففلسطين لحظة عشق وعطش . وهي مسيرة آلام ونضال كبرى، لأنها تقدّم للإنسانية نموذجا لشعب قرر أن يصير مرادفا للعدالة، في عالم نسي معنى العدالة .
محمود درويش سيد في مملكة العادلين، وشعره سجلٌّ لسيرة العادلين وهم يحوِّلون مأساتهم ومأساة شعبهم إلى أغنية كونية، جاعلا من فلسطين اسما حركيا للعدالة، ومن كل أحرار العالم الذين يناضلون ضد الجدار في بعلين ونعلين وضد الحصار في غزة، أبناء للحرية .
لم تهزم الموت أيها الشاعر، لكنك ككل الشعراء الكبار لم تسمح للموت بأن يهزمك . صرت ندا له، لأنك مزجت الشعر بفلسطين، وحين يمتزج هذان الخالدان لا يستطيع الموت شيئا
أنت الحاضر في الغياب والغائب في الحضور، أنت شاعرنا وصوت هذه الأرض التي تعلمت أن توشوش شعرك وأن تخبئه في أضلعها .
أقول لك يا صاحبي إن شعرك يتجدد كل يوم في ذاكرتنا كأنك تعيد كتابته من هناك، وإننا سنبقى أمناء على فكرة فلسطين، لأن سيدة الأرض علمتنا من خلال مزيج الكلمات والمعاناة اننا نستحق الحياة” .
وتليت في الحفل كلمة الكاتب اليهودي اليساري عاموس عوز الذي قال فيها إنه التقى محمود درويش للمرة الأولى في تل أبيب بسنوات الستين في بيت صديق مشترك .
وأشار عوز إلى أن محمود وقتها كان مغمورا بالحب والتقدير، محاطا بالمعجبين والمعجبات تلفه هالة من الفضول وتابع “وقتها تحدثنا حول الكتابة والقراء فقال لي محمود إن قارئه المشتهى ليس عربيا أو يهوديا بالضرورة . . بل هو قارئ إنسان، محب للاستطلاع يخلو من السكينة الداخلية . وردا على سؤال حول بحثه عن قارئ منزوع السكينة الدخلية فقال بالتقريب: من يعدم الهدوء الداخلي يجد في قصائدي أصوات الروح، الجبال، القمم والشجر، بل يجد ذاته فيها أما من يملك الهدوء الداخلي فليس بحاجة لي” .
ونوه عوز الحائز على جوائز أدبية عالمية مرموقة بأنه يتذكر هذه الكلمات بين الفينة والفينة ويتأمل بغراميات محمود الكبيرة . . حبه لشعبه ولبلاده، حبه لما يتلاشى ويختفي، حبه للمعذبين والمضطهدين، حبه غير الناضب لمشاهد القرى المدمرة . . حبه للبئر وأشجار الزيتون وللجدران الحجرية . . . لكن محمود لم يكن شاعر أشواق ونوستالجيا فحسب . كان محمود شاعر الغضب والسخرية شاعر الصيحة، المواساة والسلوى . . وتابع عوز “وبودي التوقف عند السلوى في قصيدة محمود: كقارئ يهودي “إسرائيلي” كان من الصعب والموجع عليّ أكثر من مرة امتصاص غضب محمود . في أكثر من مرة رغبت أن تتفهم قصائده أوجاعي أيضا لا أوجاعه فقط . أكثر من مرة ثرت على أن قصائد غضب كتبها بأسود أبيض” .
ويوضح عوز أنه تذكر جيدا قصائد غضب واحتجاج للشاعر اليهودي بيالك كتبت بشهوانية الوجع . لقد أثّر شعر بيالك في شعر محمود درويش فلدى الأول والثاني على حد سواء تجد المواساة في أطراف الألم وتابع “في سريرتي أعرف أنه لو التقى الشاعران بيالك ودرويش، وكلاهما ولدا في قرية وظل كل منهما يحملها في فؤاده طوال العمر . . وكلاهما سام عذاب شعبه ورثا عذابات أشقائه- ولو التقيا بالتأكيد لعثرا على لحن نفسي مشترك” .
واختتم عوز كلمته التي تليت بالعبرية من قبل عريف الاحتفال عصام خوري بالقول “افتقدت محمود طيلة هذه السنوات . . افتقده كصديق وكخصم ذي قامة فارعة . . هو مفقود لكل أبناء هذه البلاد، لأن من تحت غضبه وصرخته اختبأ حب كبير” .
* الملحق الثقافي،،