محمـــود درويـــش و«هــويــة الــروح».. الشاعر العربي الأكثر شعبية بين شعراء الحداثة العربية
* فاضل العزاوي
* الدستور الاردنيـة

لم يكن محمود درويش واحداً من أهم الشعراء العرب المجددين الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن العشرين فحسب ، وانما أيضاً الشاعر العربي الأكثر شعبية طوال أكثر من أربعة عقود من الزمن. كانت تلك معادلة صعبة أكاد أقول إنها لم تتحقق لشاعر آخر غير محمود درويش ، معادلة كانت تدفع محمود درويش نفسه الى التأمل في دلالتها ، بل وأحيانا الى الشكوى والخوف على شعره منها. أكيد أن شعبية محمود درويش ارتبطت منذ البداية بشعبية القضية الفلسطينية ومعاركها وصراعاتها ، وهو ما كان يدركه تماماً ، ولكنها لا تفسر الظاهرة الا جزئياً ، فمحمود درويش لم يكن الشاعر الفلسطيني الوحيد. كان ولا يزال ثمة العشرات من الشعراء الفلسطينيين الذين جايلوه ، أو ظهروا قبله وبعده ، إلا انهم لم يفلحوا في امتلاك أفئدة قرائهم بالقدر الذي أفلح فيه شاعرنا الراحل.
ولكن إذا كانت فلسطينية محمود درويش لا تفسر الظاهرة كلها ، فإن انتسابه إلى الحداثة الشعرية العربية يظل هو الآخر قاصراً عن فك اللغز الذي يحيط به. فثمة شعراء مجددون مبدعون كثيرون سبقوا محمود درويش أو جايلوه ، ومع ذلك لم يتجاوز تأثيرهم حدود الأوساط الثقافية والأدبية التي تكاد تشكل دوائر مغلقة على نفسها.
كان ثمة شاعران آخران أيضاً شكلا خرقاً للظاهرة العامة ، هما الشاعرالعراقي محمد مهدي الجواهري ، والشاعر السوري نزار قباني. وهو خرق ارتكز على عوامل تاريخية واجتماعية قبل كل شيء. كان الجواهري شاعراً كلاسيكيا كبيراً ، ارتبط تاريخه الشعري بتاريخ كل الصراعات السياسية التي شهدها العراق. فقد بدأ حياته كسكرتير للملك فيصل الأول ، ثم انتقل الى المعارضة ، وقتل شقيقه جعفر في إحدى الانتفاضات الشعبية ، وتبناه اليسار العراقي ، ثم عيًّن أو انتخب نائباً في البرلمان واعتقل مرات عدة. وحين قامت الجمهورية صار الشخص الأقرب الى قائدها عبدالكريم قاسم ، وانتخب رئيسا لاتحاد الأدباء العراقيين ، ثم اختلف مع الزعيم بعد انقلابه على اليسار فغادر إلى المنفى... الخ. كل هذا جعله قريباً من قلوب الكثير من العراقيين الذين رأوا في تاريخه صورة بلدهم ، رغم أن المثقفين وحدهم كانوا من يقرؤه ويتابعه. أتذكر أنني رافقت الجواهري مع آخرين ذات مرة في السبعينات الى منطقة فلاحية قريبة من بغداد فخرج المئات من الفلاحين يهتفون ويهللون في استقباله. وحين قرأ بعض شعره عليهم وهم يصفقون له سألت أحد الفلاحين: لماذا تصفق له؟ هل تفهم شعره؟ رد علي: قد لا أفهم شعره ، لكنني أعرف أنه يدافع عنا نحن الفقراء.
أما نزار قباني ، وهو الآخر شاعر كبير من طراز خاص بلا شك ، فقد قامت شهرته أساساً على شعره الغزلي ، ودفاعه عن المرأة وحقها في التحرر من كل الأغلال الاجتماعية البالية. ورغم أن نزاراً كان قد كتب الكثير من قصائد التفعيلة أيضاً ، بل وحتى ما كان يعتبره قصائد نثرية ، فإنه ظل شاعراً عمودياً في جوهره ، ولكن بلغة بسيطة سهلة الفهم ، تقترب كثيراً من لغة الحياة اليومية ، وهو ما جعله معبود الشابات والشبان المأخوذين بفكرة الحب.
هاتان الظاهرتان ، الجواهرية والقبانية ، تختلفان عن ظاهرة محمود درويش الشعرية. فشهرة الجواهري العربية أقل بكثير من شهرته في العراق ، وهولا يكاد يكون معروفاً في العالم. أما شهرة نزار قباني ، وهي شهرة عربية ، فتكاد تكون شعبية أكثر من كونها ثقافية ، بمعنى أن تأثيره على الشعراء الآخرين كان محدوداً جداً ، فضلا عن الترجمات القليلة لأعماله إلى اللغات الأخرى.
وهنا يشكل محمود درويش الاستثناء ، فهو الشاعر العربي الأكثر شعبية بين شعراء الحداثة العربية ، فضلاً عن كونه الشاعر العربي الأكثر ترجمة الى اللغات الأخرى. ولكن هذه الشعبية بدل أن تقوده الى النفاجة ، كما يحدث عادة عند بعض الشعراء الصغار فتغرقهم في الوهم ، كانت تثقل عليه فيريد أن يعرف: هل أن من يحبه يحبه لكونه شاعراً حقيقياً أم لدوره الفلسطيني؟ وهل كان يمكن أن يصير ما صارعليه بدون ثوبه الفلسطيني ، مرتكزاً على الشعر وحده؟.
من الصعب بالطبع الفصل بين طرفي المعادلة ، فالشعرية لا تقوم في الفراغ ، كما أنها تستمد معناها دائماً من العالم الذي تعبًّرعنه وترتبط به وتنبثق من الروح التي تضفيها على موضوع ما.
كان محمود درويش فلسطينياً حتى العظم ، ولكنه كان يفهم فلسطينيته بطريقة تختلف عن فهم الكثير من الشعراء الآخرين ، وهنا تكمن قوَّته. كانت الثورة في نظره تعني الالتزام بكل ما يجعل العالم أكثر إنسانية ، رائيا أنها سبيل الى الحياة لا الموت ، ووسيلة للحب لا للكراهية. وقد تعلم مع الزمن كيف ينجو بشعره من سطوة الشعارية التي غالباً ما تطفو على السطح لينتقل إلى الجوهر الحي لموضوعه. وحتى على المستوى الشخصي كان قادراً على شجاعة النجاة من الأوهام التي يغرف منها الكثير من الشعراء والكتاب العرب بلا حساب. فقد قاده تواضعه الى القول ذات مرة: "لا أعتقد أنني أستحق جائزة نوبل عن أعمالي." ، متقفياً في ذلك خطى الشاعر والكاتب الأرجنتيني الكبير خورخي لويس بورخيس الذي كان يتعمد التقليل من قيمة منجزه الأدبي.
لقد شاءت الصدف أن أكون شريكا بطريقة ما في آخر مشروع كبيرنفذه قبل رحيله القاسي ولم ير النور إلا في غيابه ، ذلك المشروع الذي صار شهادة حية على وعي محمود درويش الإنساني الأعمق ، وأعني به فيلم "هوية الروح" الذي حقق نجاحاً كبيراً جداً ، حيث عرض في ثماني مدن فلسطينية وشاهده الآلاف في عروض في الهواء الطلق بست شاشات ، وانتقل بعد ذلك إلى دول عربية أخرى في جولة يفترض أن تشمل الكثيرمن بلدان العالم.
كان توماس هيغ ، مدير شركة أرت اليانس السينمائية النرويجية ومقرها في لندن ، قد اتصل بي في مطلع العام 2008 وعرض عليّ إمكانية ترجمة قصيدة "تيريا فيغن" الملحمية الطويلة المشهورة للشاعر والمسرحي النرويجي الكبير هنريك إبسن إلى العربية ، بعد أكثر من محاولة مخفقة ، عن الانكليزية والألمانية مع الاستعانة بالنص الأصلي ، حيث تمتلك النرويجية الكثير من وشائج القربى مع الألمانية ، مثلما قدم لي تصوراً كاملاً عن مشروعهم العالمي الذي يجري تنفيذه بمختلف اللغات. كانوا يبحثون عن قصيدة لشاعر عربي معاصر تكون موازية لقصيدة إبسن ، فعثروا بعد بحث طويل على قصيدة "جندي يبحث عن الزنابق البيضاء" لمحمود درويش ، فسافر توماس هيغ مع المنتجة مارتينا رود إلى رام الله للحصول على موافقة الشاعر على استخدام قصيدته في فيلمهم.
يقول توماس هيغ في كلمة نشرها في مجلة بانيبال إن محمود درويش كان متردداً في البداية ، وقال إنه لا يحب الأفلام الوثائقية عنه ، ولكنه حينما اقتنع أخيراً بأن الأمر يتعلق بطريقة جديدة في تقديم الشعر ، وأنه ليس فيلما عنه أو عن منظمة التحرير الفلسطينية ، واطلع على بعض المشاهد المصورة قال: "هل يمكن لي أن أقرأ قصيدتي بنفسي في فيلمكم؟" ثم بعد أن قرأ المقاطع الأولى من الترجمة العربية لقصيدة "تيريا فيغن" قال: "هذه قصيدة قوية ورائعة جداً. هل يمكن لي أن أقرأها أيضاً؟".
السؤال هو: لماذا وجد محمود درويش هذه القصيدة قوية ورائعة جداً ، وقرأها في عرض يستمر لمدة ساعة؟ تعرض القصيدة قصة بحار يغامر بحياته في زمن الحرب والمجاعة ليجلب القليل من الحبوب لزوجته وطفلته الصغيرة الجائعتين ، لكن الأعداء الإنكليز حينذاك يطاردونه ويلقون القبض عليه رغم توسلاته ، ويرمون به في سجن ما في إنكلترة. حين يطلق سراحه بعد سنين ويعود الى وطنه النرويج يجد أن زوجته وطفلته قد ماتتا جوعاً. يعمل من جديد مرشداً للسفن في البحر ، حيث يتوجب عليه ذات يوم أن ينقذ يختا موشكاً على الغرق فيهرع اليه ، وحين ينقل ركابه وهم نبيل إنكليزي مع زوجته وابنته الصغيرة الى قارب الإنقاذ ، يكتشف أن النبيل هو نفس الضابط الذي سخر من توسلاته حين ألقوا القبض عليه ، وتسبب في موت زوجته وطفلته. فجأة تتملكه رغبة الثأر من عدوه الذي دمر حياته ، فيهوي بمجذافه على ألواح القارب ليهشمها ويلقي بهم في البحر العاصف ، لكن نظرة واحدة من الطفلة الخائفة البريئة تعيده الى صوابه ، فينقذهم في النهاية.
قصيدة مؤثرة لا تدعو الى تجاوز فكرة الانتقام والثأر البدائية فحسب ، وانما تعلمنا ألا ننسى إنسانيتنا مهما كانت الأسباب ، وأن نتعامل حتى مع العدو حين نقدر عليه من منطلق أخلاقي يعمق الوعي بأنفسنا وهويتنا الروحية الحقيقية.
هذه الرؤيا التي تقدمها قصيدة هنريك إبسن الرائعة ذات دلالة خاصة في منطقة يعصف بها التعصب الأعمى ، وترجُّها الكراهية التي تحتقر كل شيء في الحياة. انظروا بأي وحشية يعامل الإسرائيليون أسراهم وضحاياهم من الفلسطينيين العزَّل، فكروا بما فعله الأميركيون بضحاياهم العراقيين في سجن "أبو غريب" ، وتأملوا في ألوف الجثث التي ظلت ترمى بدون رؤوس في شوارع بغداد بسبب العماء الطائفي المدمر.
الشاعر الحقيقي لا يتخلى قط عن حساسيته التي تشكل هوية روحه تجاه كل ما يمس الكرامة الإنسانية. هذه هي الوصية الأجمل التي تركها محمود درويش لنا بصوته ، والتي كان قد حاول أن يوصلها الينا في قصائده دائماً.
كلمة ألقيت في ندوة مهرجان أصيلة الأخير حول محمود درويش في الذكرى الأولى لرحيله.. درويش وهنريك إبسن.