جوزيف برودسكي.. الشاعر المنفي من الاتحاد السوفييتي

* الدستور الاردنيــة








ساهمت التغيرات السياسية والاجتماعية ، التي عصفت بالإمبراطورية الروسية ـ نهايةَ القرن التاسع عشر ، وبداية القرن العشرين ـ في صقل الأدب الروسي ، وفي غزارته ، مؤدية إلى نشوء حالات أدبية متنوعه قلما تكررت في الثقافات الأخرى ، لا بل وأثر الأدب الروسي في الأدب العالمي ، خاصة خلال فترة المد الثوري الشيوعي. أحد الأمثلة على هذه الحالات الأدبيه الروسية ـ السوفييتيه هو الشاعر جوزيف برودسكي ، الحاصل على جائزة نوبل للأداب (1987).

مؤخراً ، أحتفل المجتمع الثقافي العالمي بمرور 70 عاماً على ميلاد الشاعر السوفييتي ، الذي يُعَدُّ من بين الشعراء الروس القليلين الحاصلين على جائزة نوبل ، لجهودهم في مجال الثقافة ، وإثراء الأدب العالمي. ينظر الكثيرون إلى برودسكي على اعتباره يشكل مثالاً معبراً للصراع من أجل الاستقلالية ، وبالذات: الاستقلالية الشخصية ، ومن أجل حق الفرد في التعبير عن أفكاره ومشاعره الذاتية ، من دون الخوف من الآخرين. ومن هذه الناحية يعد برودسكي رمزاً مميزاً للحرية الشخصية في بلاد انعدمت فيها جميع أشكال الحرية. بالمقابل ، يبدي الكثيرون شكهم (المبرَّر ، أحياناً) في مدى استحقاق الشاعر هذه الجائزة العالمية ، ويعزون حصوله على كل هذا التقدير ـ في الغرب ـ إلى دخوله صراعاً مباشراً مع النظام القائم في الاتحاد السوفييتي ، آنذك: لأن برودسكي لم يشكل حاله ثقافية نادرة في الاتحاد السوفييتي ، في الوقت الذي كان يزخر بالمواهب الأدبية ، على اختلاف أنواعها ، وبالتالي لم يكن برودسكي الأفضل بين معاصرية.

انقسمت حياة برودسكي إلى شطرين: الأول اتسم بالبؤس والفقر ، بالنظر إلى انتمائه لعائلة من عامة الشعب ، إلا أن هذه الفترة هي التي شكلت الإطار العام لشخصية برودسكي الأدبية ، وصقلها بهذه الروح المتحررة ، والناقدة لكل القيود الاجتماعية المصطنعة والمصبوغة بالاشتراكية السوفياتية. نشأ برودسكي طفلاً لعائلة فقيرة ، فسنوات الحصار الذي ضربه جيش ألمانيا النازية على مدينته ليننغراد ، خلال الحرب العالمية الثانية ، والذي تجاوز 900 يوم ، طبع حياة الشاعر بخوف عميق ، متأثراً بقسوة الحصار ، وتبعاته التي كان منها قطع أشكال الاتصال ، كافة ، وعناصر الحياة ، عن المدينة على طول فترة الحصار. كان الحصار مريراً ، ومر ببطء شديد إلى درجة أن بعض السكان كان يقتات بعض الجثث ، ناهيك من الحيوانات الأليفة من كلاب وقطط ، دافعاً بالكثيرين إلى الهلاك على مرآى من ذويهم الذين ، بدَورهم ، لم يستطيعوا مساعدتهم. هذه الصورة البائسة والمؤلمة ساهمت في تشكيل شخصية برودسكي الأدبيه.

لم يبدع برودسكي في المدرسة ، وبصعوبة أنهى المرحلة المدرسية ، منهياً ـ بذلك ـ آماله بالالتحاق بكلية الملاحة البحرية ، حيث لم يتمكن من النجاح في امتحانات القبول في هذه الكلية. دفعته هذه الظروف إلى عدم الاستقرار الوظيفي ، حيث بدّل الكثير من الأعمال المختلفة. فقد عمل ـ في فترة معينة ـ في تشريح الجثث في أحد السجون المشهورة في الاتحاد السوفيياتي ، ولكنة بقي ـ في أغلب الأوقات ـ من دون عمل.

كان من الممكن أن تستمر حياة برودسكي على هذه الوتيرة لولا اكتشاف أجهزة المخابرات الروسية تفاصيل حادثة سابقة في حياته. وتتلخص هذه الحادثة في قيام برودسكي وبالتعاون مع صديق له ، طيارْ يدعى أوليغ شاخماتوف ، بالتخطيط لاختطاف طائرة ، والهروب بها من الاتحاد السوفييتي إلى الولايات المتحدة. ولكن ، في ما بعد ، ولسوء حظ برودسكي ، وفي ظروف غامضة ، أعترف هذا الصديق بالتفاصيل الكاملة ، لهذه الحادثة ، للأجهزة الأمنية ، ومن بين ذلك: تورط برودسكي بالتخطيط لهذه العملية. وعلى إثر ذلك ، أصبح برودسكي ذا صيت سيىء لدى السلطات والأجهزة الأمنية ، وأصبح في دائرة الضوء لدى الأجهزة نفسها. بعد ذلك ، وبسبب أو من دون سبب ، كثرت مشاكل برودسكي مع الأجهزة الأمنية ، ومنها ـ على سبيل المثال ، لا الحصر ـ وجهت له تهمة التهرب من العمل ، وهكذا أصبح السجل السيىء لبرودسكي يتفاقم ، يوماً بعد يوم. وبما أن قوانين الاتحاد السوفييتي كانت توجب العمل على جميع الذكور ، في البلاد ، في فترة عمرية معينة ، ووفقاً لهذه القوانين ، كانت السلطات تقوم ـ بين الفينة والأخرى ـ بالقاء القبض على المتهربين من العمل ، ونفيهم من المدن الكبرى ، وإجبارهم على العمل في قطاع الزراعة. واستناداً إلى ذلك ، تمت محاكمة برودسكي ، ونفيه من لينينغراد (العاصمة الثقافية والفنية للدولة) إلى مقاطعة أرخانغلسك النائية. إلا أن إجراءات هذه المحاكمة أثارت اهتمام الناس ، خاصة المعجبين بشعره وموهبته. كانت هذه المحاكمة مواجهة بين الفرد والنظام ، ومحاولة للمس بكل قيم المجتمع السوفييتي. بازاء ذلك انقسم الناس إلى معجبين بشعر برودسكي ، مقدرين ما يحمله من بطولة التحدي ، بينما وجد فية البعض الآخر مجرد تمرد غير مبرر على النظام. ولذلك حكم على شعره وإنجازة الأدبي بالمنع من النشر والتداول ، وبقي كذلك حتى فترة قربية. ولكن كان يمكن الحصول على النذر اليسير من أعماله ، على شكل نسخ مطبوعة في المنزل ، وفي ظروف صعبة.

خلال فترة وجوده في المنفى ، وتنفيذه الاحكامَ الصارمة ، الصادرة بحقة ، كانت المؤسسات الغربيه المعنية بحقوق الإنسان ، وحريه الرأي ، تمارس ضغوطاً على النظام السياسي السوفييتي السابق. هذه الضغوط أسفرت ـ في نهاية الأمر ـ عن السماح له بالهجرة إلى الغرب. ونتيجة لهذه الهجرة تغير كل شيء ، في حياته ، حيث أصبح نشر مقالاته وأشعاره يتكرر بشكل مستمر ، ومنح جائزة نوبل ، وأغرًق بالدعوات لإلقاء المحاضرات في أرقى الجامعات المعروفة ، عالمياً ، ناهيك من صحبة أشهر شخصيات البلاد.

العالم الجديد ، الذي فتح أبوابه لبرودسكي ، كان ، بالنسبة له ، في السابق ، عالماً خيالياً لامعاً وجميلاً ، ولكن موهبته كانت قد تشكلت في أجواء من الفقر والصراع ، حيث كانت بداياته الشعريه في ظل المواجهة المستمرة مع النظام ، وفي الرغبة المستمرة في الوصول إلى الحرية. وكذلك القوالب والحدود القاسية ، للاتحاد السوفييتي ، هي التي صنعت من برودسكي شاعراً عظيماً.

في خطابه الرسمي ، لتسلمه جائزة نوبل ، أستذكر برودسكي شبابه ، وكيف كان ينظر إلى بحر البلطيق ، حيث كان يدهشه ، ويملؤه أملاً ، الشعور الذي كان يعبر عنه بقوله: "إني أتنفس الهواء نفسه مع سكان الشاطئ الآخر ، وأتناول السمك نفسه معهم ، وأتعرض ، وإياهم ، إلى المطر ذاته ، الملوث بالإشعاعات الضارة ، كما أنني ـ بالتأكيد ـ كنت أرى تلك السحب التي مرت ، سابقاً ، فوق أراضي بلادكم. وإنني كنت أستطيع أن أسبح في البحر عينه ، الذي كنتم سبحتم فيه ، أنتم ، من قبل".

أهم فكرة تناولها شعر برودسكي هي إيمانه المطلق بالتأثير القوي للأدب في الجماهير العامة ، وقد رأى أن الأدب الغربي مسؤول ـ إلى حد ما ـ عن كوارث إنسانية ، من مثل: الحرب العالمية الثانية ، والفاشية ، والشيوعية: حيث اقترح الشاعر فكرة لمنع تكرار كوارث مشابهة ، مستقبلاً ، من خلال توزيع نصوص من الشعر الإنجليزي على الجماهير ، في إطار برنامج حكومي منظم.

وقال ، في إحدى المقابلات ، في الولايات المتحدة الأميركية ، مجيباً عن سؤال حول كيفية قدومه إلى الولايات المتحدة: "كنت راكباً طائرة في اتجاه واحد ، فقط ، إلى الولايات المتحدة ، من دون تذكرة العودة ، وقام باستقبالي صديق لي: بروفيسور اللغة السلافية ، كارل بروفر".