محاولــة
مقال حبيب الصايغ
* دار الخليج
لا أحد يعرف سر الوردة . من هذه المعرفة انطلق إلى فكرة الخصوبة، محاولاً كتابة جديدة، مليئة بالعطر والعبق، وفي الوقت نفسه، قوية ومستبدة . محاولاً كتابة تعبر عني خصوصاً في حالة الغضب، حيث يفقد الإنسان سيطرته على مشاعره، فلا يستطيع التصرف بذوق، والذوق أول الكتابة وآخرها .
محاولاً لملمة أفكاري القديمة، خصوصاً تلك التي كانت تراودني في عهد الطفولة، وتدور حول رأسي وداخله، ثم تحفر في رأسي حفرة تشبه المتاهة . محاولاً يقظة في حجم الكتابة . محاولاً يقظة في حجم عمر يركض معي إلى مستقبل اللهاث .
ويحاول تجريدي دائماً حتى من ظلي . محاولاً فلسفة الطبيعة حتى تغدو شيئاً ممكناً وقريباً . لا يكفي أن أتفرج على الجبل من دون استيعاب معناه، ولا يكفي أن أنظر إلى البحر من دون التخلي عن النظارة السوداء، محاولاً أن يكون الجبل ملء الرأس، والبحر ملء الصدر، وأن استنشق مفردات الطبيعة كما استنشق الهواء .
محاولاً التفكير أعمق قبل الكتابة وبعدها . وقبل الأكل وبعده، وقبل النوم وبعده . محاولاً السيطرة على مشاعري في أثناء النوم أيضاً، حتى لا أحلم بعيداً، ثم لا أعرف طريق العودة . محاولاً ضم المسافة إلى المسافة، حتى تكبر الساحات، وحتى يكون أمام الناس متسع من المكان، ومتسع من الوقت، ومتسع من الحاضر والمستقبل .
محاولاً أيام عمر جديدة، تنتمي إلى غدها المستحيل حتى لو مضت، وأصبحت، كما في النحو، أياماً ماضية . محاولاً التصفيق لنفسي، ما استطعت، حتى لو فقدت، لا سمح الله، بعض أصابعي . محاولاً البكاء في عز الفرح، والفرح في عز البكاء . محاولاً اقتفاء أثر آبائي من شعراء المعلقات، ففي رأسي أسئلة مكبلة بوهم العصور . محاولاً الدخول في طفولتي المقبلة من دون تأتأة . أو خطوات متعثرة . محاولاً محاورة الليل والنهار، وفض الاشتباك الأبدي بين العقل والقلب، وصولاً إلى راحة البال .
لقد قضيت عمري كله، وهو أكثر من نصف قرن، في التمرين والتدريب، ولم يبق عليّ إلا الدخول في المحاولة، وبعد أن أعد إلى العشرة، سأبدأ في تحطيم أصنام الخوف .