|
|
أرامل الزّعماء يَتَذكّرن
مقال خيري منصــور
* دار الخليج
لا تنفرد السيّدة تحية كاظم، أرملة الرئيس جمال عبدالناصر، بكتابة مذكرات عن حياة سياسية صاخبة، مفعمة بأحداث دراماتيكية، منها ما لم تنته أصداؤه حتى الآن . فكثير من أرامل الزعماء فعلن ذلك، لكن السيّدة الراحلة تحية تنفرد بشيء آخر هو أنها رغم الإضاءة الساطعة التي عاش تحتها الزوج الزعيم بقيت في الظل، زوجة تقليدية وأماً تتفرغ لتنشئة أبنائها، خصوصاً أن عبدالناصر لم يكن لديه من الوقت ما يكفي لأن يشبع عينيه من أبنائه لفرط ما استغرقته الأحداث الكبرى، فهو القادم للتو من معركة الفالوجا إلى ثورة يوليو، ولم تمض سوى بضع سنوات حتى كان العدوان الثلاثي على مصر، وبقي عبدالناصر حتى رحيله في سبتمبر/ أيلول عام 1970 موزعاً بين شجون محلية، وأخرى إقليمية وقومية ودولية، لهذا كان العبء على زوجته مضاعفاً .
وأول ما يخطر ببال القارئ العربي إذا علم بأن السيّدة تحية كتبت مذكراتها، هو أن ضمير المتكلم أو الذات لن يكون متورّماً، وأن السيّدة الهادئة ربة البيت لن تزعم بأنها كانت المرأة التي تقف وراء رجل عظيم، إضافة إلى أنها لن تعيد إنتاج حياتها الزوجية، وتؤلف مذكرات تضعها في مكانة غير المكانة الإنسانية التي تمتعت بها زوجة وأماً .
ومن المعروف أن أرملة الزعيم عبدالناصر لم تحمل أي ألقاب بروتوكولية، ولم تظهر إلى جوار زوجها إلا نادراً جداً، وفي مناسبات يفرضها بروتوكول لا سبيل إلى التهرّب منه .
فهل معنى ذلك أن عبدالناصر كان زوجاً شرقياً وعربياً محافظاً تحدد له الأعراف والتقاليد أنماط سلوكه، خصوصاً ما يتعلق منها بالأسرة وذوي القربى؟ الأرجح ومن خلال جملة قرائن أن الرجل لم يكن واقعاً تحت مثل هذه الضغوط، لكنه تصرّف بشكل عفوي وطبيعي، ولم يقحم زوجته أو أحداً من أفراد أسرته في عالمه المعقّد الصّعب، بحيث يروي الأستاذ هيكل الذي كان مقرّباً من الرئيس ناصر، أن الرجل كان يشعر بالحرج إذا تخرّج أحد من بناته أو أبنائه في الجامعة وبدأ يبحث عن وظيفة، وحين عيّنت الابنة البكر في جريدة “الأهرام” طلب والدها من هيكل أن يطبّق على تعيينها كل الإجراءات التقليدية بشأن كل زملائها .
بالطبع لا تتجول السيّدة تحية بنا وبمن يتاح له أن يقرأ ما كتبت عن أيامها مع ناصر في أروقة مرمرية، يرشح منها العطر وبخور الليالي المفعمة بأسرار السلطة، لأن الزوج لم يكن كذلك، وبالتالي فإن زوجته بعيدة بالضرورة عن مثل هذه العوالم، والناس الذين تشحذ فضولهم الحكايات عن زعماء ونجوم قد يصابون بخيبة أمل إذا قرأوا شيئاً مغايراً، ومن دون أية إكسسوارات تبهر العين، لهذا تستحق ممثلة عربية جاوزت السبعين الشكر، لأنها قالت لمن سألها على إحدى الشاشات قبل أيام لماذا لم تكتب مذكراتها بأنها إنسان عادي، مارس مهنة محددة، قد تكون هذه المهنة محظوظة بالأضواء ومحفوفة بالشائعات، لكن السيّدة أضافت بأن حياتها ككل حيوات الآخرين، وليس فيها ما يستحق كتابة المذكرات .
بالطبع لم يكن ممكناً لسيّدة مثل الراحلة تحية كاظم أن تقول إنها إنسان عادي، وامرأة تفرّغت لبيتها وأسرتها، لأنها كانت قرينة زعيم يشغل الناس ويملأ الدنيا في أيامه .
أما المثير فهو تأخر إصدار هذه المذكرات لأرملة الزعيم الراحل، وإفراج الأبناء عن مخطوط كان هاجعاً في الأدراج، رغم أن من صافحوا عبدالناصر كتبوا مذكرات عن علاقاتهم بالرجل، ومن جلسوا في حضرته دقيقة قالوا إنه كان يأخذ بآرائهم في الملمّات واللحظات الحرجة .
لقد ظفرت السيّدة تحية باحترام الناس لها في حياتها وبعد رحيلها، لأنها لم تكذب ولم تتجمّل ولم تزعم بأنها صانعة الزعيم وليست أرملته .