فــــرح
مقال حبيب الصايغ
* دار الخليج
هل للتفاؤل عمر؟
نتعلم من الطبيعة أن التفاؤل هواء الكائن . جوهر وجوده في الوجود، وعنوان حضوره في المكان والزمان . هل تتوقف الأنهار عن حركة عشقها على مرور الأيام والأعوام؟ . . هل تضع العصافير، فجأة، ذات صباح رمادي، نقطة في آخر السطر، معلنة إضرابها عن التغريد؟ . . هل تنفصل موجات البحر الصغيرة عن شواطئها البعيدة، المتاخمة للغيم، هكذا، جزافاً، ومن دون سابق إنذار، مهما طال بها الأمد، ومهما دخلت في كتب الجيولوجيا؟ هل تفقد الكتب قيمتها كلما تعتقت، وهل يفقد الورد بريقه ورحيقه؟ . . هل يتراجع القلب كلما جرب أم يتقدم؟ . . هل يواجه أم يموت؟
التفاؤل قيمة مبذورة في الزمان كله، وكأنما كلمة التفاؤل في الذوق السوي السليم مرادفة لكلمة العمر .
فمهلاً يا أعمارنا مهلاً . يكفي هذا الغرور المتقد من خشب الضلوع . يكفي هذا التيه الماكر الذي مازال ينصب لنا فخاخه وغاياته وغواياته، ويتربص بنا عند مفترق كل طريق .
منذ تسللت شمس المستقبل إلى الدفاتر والقصائد والسماوات والأبجديات والدورات الدموية والإنسان ذاهب في محاولة لا تنتهي لأنها ضد النهاية، ولأنها تشبه الزمن في امتداده ووثوقه وقوته واحتمالاته . كيف يذهب العمر بعيداً وراء معانيه ومعاناته؟
كيف يذهب العمر بعيداً من دون أن يشيب القلب؟
أول التفاؤل أن يتقدم القلب متجاوزاً جغرافيا الدمع، ليصل إلى جهة الشمال الأقصى، ويسمي كل الجهات الشمال .
ولا بد أن تكون بين الشمال وبقية الجهات خصومة الصداقة . نعم . الغيرة هناك . حتى هناك .
وأنت يا بلادي، يا رمز التفاؤل، مجبولة بتراب الشمال وهوائه، ومخلوقة من عبير الشمال وكبريائه .
فكيف لا أحبك؟ . . كيف لا يدفعني حبك إلى المزيد من العمل والتفاؤل؟ . . من العمل والأمل؟ كيف لا أحبك أيتها الإمارات العربية المتحدة؟ . . كيف لا أحاول في اللغة والسفر والمطر؟ . . كيف لا أختصر في الكون؟
كيف لا أعود إلى طفولتي الأولى وجنوني الأول، حتى أكتبك على جدران الدنيا الأربعة، خصوصاً جدارها الشمالي؟
كيف أمتنع عن الموت من أجلك، والحياة من أجلك؟
كيف أمتنع عن الموت فيك، وهو الذي يهبني حياتي، ويقدم لي، أول كل نهار، وردة الحب برائحتها الجارحة وحجمها الأسطوري؟