ما سقط سهواً خلال عام
مقال خيــري منصــور
* دار الخليج
أصبح طقساً صحفياً وإعلامياً متكرراً في مثل هذه الأيام من كل عام، ذلك الاستعراض الأفقي لأحداث العام الذي ولّى، وبالطبع ما من جردة دقيقة ممكنة لما حدث خلال ثلاثمئة وخمسة وستين يوماً، بساعاتها ودقائقها وثوانيها أيضاً، فثمة أحداث لم تستغرق أكثر من ثانية كانفجار السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة .
لكن هناك وجهاً آخر للمسألة، وهي أقرب إلى طقس مضاد لما دأبت الصحافة عليه، وهو تقديم قائمة بما لم يحدث خلال العام الماضي، سواء ما تمناه الناس أو ما كان مُضمراً وهاجعاً في ممكنات الأحداث التي لم تتحقق كلها، سواء لأسباب إجهاضية أو لأنها لم تستكمل عناصرها وشروطها الموضوعية، فتأجلت إلى عام آخر .
ما لم يحدث عام ،2010 هو بمقياس ما أهم مما حدث بالفعل، فالاستيطان السرطاني للأراضي الفلسطينية المحتلة أوقف المفاوضات إلى أجل لا يعلمه إلا الضليعون في فقه التفاوض، والسلام الذي لم يتحقق بل تضاعفت أسباب غيابه هو ما لم يحدث خلال العام الماضي . ولو شئنا الاستطراد في سرد ما لم يحدث خلال العام الذي ودعناه لما اتسع لنا المقام، فهناك ما هو عام وشخصي، وما هو وثيق الصلة بالتاريخ وحراكه وجدليته، ولا شك في أن مئات الملايين من الغرباء عن ديارهم وفي مختلف المنافي تمنوا في تلك الليلة التي أسدلت ستارها الأسود على عام مضى أن يعودوا، لكنهم لم يعودوا، وثمة ما يعادل هذا الرقم من الجياع وفقراء الأرض شخصت عيونهم بالرجاء كي تصل الدراما التي اختطفت الأمن والسعادة منهم إلى حلقتها الختامية، لكن هذا لم يحدث أيضاً .
إن ما يقوله العلماء والفلاسفة عن المسافة بين الرغبة والقدرة على إشباعها يصلح تماماً في هذا السياق، فكلما اتسعت هذه المسافة ازدادت الأحلام وتضاعفت صلوات الرجاء، والعكس صحيح أيضاً، وإن كان الإشباع أو التحقيق الوهمي والكاذب للرغبات يكون أحياناً أسوأ من الحرمان ذاته، فالنقيض في كل شيء هو أهون من الشبيه الزائف، وستبقى الأعوام تكرّ، والناس جميعاً يكبرون عاماً آخر، سواء كانوا فقراء أو أثرياء، مرضى أو أصحاء، وبالتالي سوف تتكرر الطقوس ذاتها بدءاً من بابا نويل وهداياه حتى إضافة رقم آخر إلى التقاويم والأجندات، وبالرغم من أن كلمة سلام ومرادفاتها تتكرر في مثل هذه المناسبة إلا أنها للأسف تصبح مفرغة من أي محتوى، وكأنها قشرة لغوية ذات رنين لا أكثر ولا أقل . فمن يفرطون في الحديث عن السلام، يفرطون أيضاً وراء الكواليس في صناعة الأسلحة وتسويقها، وبث ثقافة التحريض، فالخطاب مزدوج والشيزوفرينيا لم تعد حالة مرضية شاذة بقدر ما تحولت إلى وباء معولم . أما تبادل الحب والوئام فهو موعظة تشبه الثلج بنظافته وبكارة بياضه، ما إن تصل إلى الأرض حتى تتعكر، لأن من يرون بأن الكلام بديل للممارسات والأفعال عليهم أن لا ينتظروا عناقيد العنب من بذرة الصبّار أو الحنظل، وما ينبغي التذكير به في زحام هذه الأيام وضجيجها هو أن هناك مناسبات تنفصل عن جذورها وغاياتها تماماً كما تنفصل مركبة فضائية عن جاذبية الأرض، وما من موقف أو فكرة يتحولان إلى طقوس موسمية إلا ويبدأ تفريغهما من المضمون لأن العادة وتكرارها يحل محل التأمل لهذا قد لا يرى الإنسان أقرب الأشياء إليه والتي توشك أن تلامس أنفه لأنها أصبحت مألوفة ولا تستدعي الدهشة أو حتى مجرد التساؤل .
إن ما لم يحدث خلال العام الذي ودعناه هو أضعاف ما حدث . . لكن ما من حاسوب لإحصائه .