أنشودة للمطر
مقال يوسف أبو لوز
* دار الخليج
قبل نصف قرن كان الماء أكثر .
قبل نصف قرن كان الشتاء أكثر .
يحدّق في تكوينات الغيم، ويتابع مخاضات الشتاء، وفي كل مرّة يأمل أن يسقط المطر . مطر كالذي كان في طفولته . مطر عميم يغسل السهوب والقلوب . مطر يبعث على الشعر . يتساقط من الأعالي مثل حبّات الفضة الباردة، فيصبح للأرض صوت الماء . الأرض التي تستحم في الضّحى بهدية الغيوم للتراب .
كان مطراً يوقظنا من نومنا في الفجر . مطر ينقر على الشبابيك برفق، يقول لطفولتنا البعيدة تلك اكبري أيتها الطفولة تحت الماء .
كان يغني وسط مجموعة من الفتية والفتيات:
“امطري وزيدي
بيتنا حديدي”
كانت الدنيا كلّها في مقام المطر . اللغة الطفولية البريّة، أيضاً، كانت في مقام المطر، وكان هو أيضاً فتى مائياً . يلعب بالماء، ويكتب بالماء .
الكتابة على الماء مجاز شعري يحيل إلى الزوال والمحو، لكنه كان بخياله الشعري الصغير آنذاك يحوّل الخيال إلى واقع، وكان يرى الكتابة نهراً واسع الضفاف . كان يرى الماء وقد تحوّل إلى موسيقا تسقط من السماء على الأشجار والحجارة والناس والقطط والأطفال .
المطر صديق الأطفال، وهو أيضاً حلم الكبار . . حلم أولئك الذين يُعوّلون على الغيم، لأن أرزاقهم معقودة بالسحاب وبالشتاء، وبهذا الوابل المتوقع، وأياديهم على قلوبهم، وعيونهم شاخصة إلى نجم سهيل وبنات نعش حيث يقرأون المجرات وحركة النجوم وهبوب الرياح .
المطر مغيث الفقراء . .
المطر، بهجةٌ للعين وللقلب . . مطر الصباح والظهيرة . مطر كل الأوقات، كأنه الحب في كل الأوقات .
المطر لغة الشعراء . .
ما من كتابة تعيش وتعمّر في الذاكرة وتصبح تراثاً إنسانياً خالداً إلا وتنطوي على كثير من الماء .
ما من صداقة خالدة إلا وفيها شيء من الماء .
وما من حب كبير إلا وفيه عروق الماء .
في الشتاء، زمن المحبة والبركة، نضرع إلى المولى بأن يكون المطر أخاً للإنسان . . هذا الكائن الضعيف الذي تضيق عليه اليابسة ويخنقه الفقر وتجهز عليه الحروب .
“امطري وزيدي
بيتنا حديدي”