النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: عبـدالحكـيـم قاســم يهزم الغربة بـ «كتابات نوبة الـحراسة»

مشاهدة المواضيع

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    عبـدالحكـيـم قاســم يهزم الغربة بـ «كتابات نوبة الـحراسة»

    رسائل صاحب «أيام الإنسان» جمعها الناقد المصري محمد شعير

    عبـدالحكـيـم قاســم يهزم الغربة بـ «كتابات نوبة الـحراسة»

    * الامـارات اليـوم






    للحرف قدسية، وللكلمة جلال، وللإبداع، أياً كان لونه، طقوس تطهر واحتشاد، والكتابة مثل «الصلاة علينا أن ندخل إليها متوضئين».. انطباعات أولى قد يخرج بها قارئ رسائل الروائي المصري الراحل عبدالحكيم قاسم في «كتابات نوبة الحراسة»، وربما يزداد القارئ ذاته يقينا بعد فراغه من قراءة رسائل قاسم بأن صاحب «أيام الإنسان السبعة» يستحق مكانته واحداً من أبرز أدباء جيل الستينات من القرن الماضي في مصر.

    تكشف الرسائل التي جمعها وقدمها الناقد والكاتب محمد شعير في كتاب صدر حديثا عن دار ميريت في القاهرة، النقاب عن ملامح إبداعية وإنسانية جديدة لعبدالحكيم قاسم، تكشف أنه صاحب قلم متميز في مجالات عدة، فكما كان أحد الحكائين المتفردين، فهو أيضاً ناثر باهر، وكاتب رسائل من طراز خاص يفاجئ مطالع خطاباته، فهي ليست مجرد كتابات مسترسلة عادية، خطت بصورة متعجلة، بل إبداع داوى به قاسم جراحه خلال فترة الاغتراب في ألمانيا، وشكل من أشكال التشبث بالحياة في الوطن ولو على ورقة رسالة، وقبل كل ذلك محاولة لهزيمة عذابات الغربة التي قضى فيها قاسم 11 عاما (1974 ـ 1985).

    يقول قاسم في إحدى الرسائل «ليس بيني وبين الكتابة هذه الغربة، إنما أجد في الحكي لذاذة، أو نجاة، إن سكت أغرق.. أبقى وحدي مع هذه التصورات الغريبة في أعماقي السحيقة، وما أنا بالقادر على امتلاكها وسبرها حتى أفك طلاسمها، إنها تعمى علي، تحيرني، أنجو إلى أنس الصحاب، أقول حاكيا أو كاتبا، أقول بإلحاح وعصاب، فإن من ورائي الصمت». ويحكي قاسم أنه كانت تمر عليه أيام طويلة من دون أن يجد شخصاً يحدثه أو يتحاور معه، على الأقل خلال الفترة الأولى التي قضاها في الغربة قبل أن يلتئم شمل عائلته، ولذا كانت السلوى هي الرسائل التي يخطها، واللافت في كثير منها أن قاسم كان يستحث أصدقاءه على مداومة التواصل معه.

    مشاعر

    كم من المشاعر المختلطة تجاه خيار الاغتراب الصعب، تحفل بها رسائل قاسم التي كتب بعضها وهو يعمل حارسا ليليا على أحد متاحف برلين، فثمة حزن وغضب وإحباط، لكائن يحاول إقناع نفسه بما صنع، بأن في تلك الرحلة تحققا من نوع ما، بعد الامتهان والعمل في وظيفة لا تتناسب مع موهبته كمبدع، إذ يجيب أخاه في رسالة عن سؤال: لماذا سافر؟ «هل قلت لك أن ثمة احساسا كان لدي بفجوة بين وضعي الاجتماعي كموظف في المعاشات واعتدادي بنفسي كإنسان موهوب، سأعود للقاهرة دكتوراً حتى لو لم يكن معي مليم».

    ولم يكن حلم الحصول على الشهادة العلمية المرموقة السبب الوحيد الذي من أجله ارتحل قاسم عن مصر، بل رأى في السفر إلى ألمانيا تجربة تستحق خوض غمارها، خصوصا أنه منذ طفولته وهو صاحب ارتحالات، إلا أنها كانت بين ثنايا الوطن، إذ عاش بين أكثر من مكان، فالدراسة توزعت بين مدن مصرية عدة، منها ميت غمر وطنطا والإسكندرية، وكان عمله نهاية في القاهرة.

    والمفارقة أن قاسم لم ينل اللقب الذي تغرّب من أجله، إذ لم تتم مناقشة رسالة الدكتوراه التي كانت عن أدب جيل الستينات، ورجع إلى مصر، مؤثراً أن يكون مبدعا لا أكاديميا، معتبرا أن الفن لا يرضى بشريك، و«البعد عن الوطن لم يعد يجديني، بل هو يأكل من كياني ويضنيني حتى لم يعد بوسعي أن أستمر».

    شخصية

    تقرّب الرسائل عبدالحكيم قاسم الإنسان إلى القارئ، تسلط الضوء على فصول في حياة ذلك المبدع الاستثنائي، تكشف عن شخصيته، مواطن القوة فيها، ومظاهر ضعفها البشري، عمقها، وحساسيتها المفرطة، وجرأتها، وصدقها الجارح الخشن أحيانا، ثوراتها ومراجعاتها، شأن أغلبية المبدعين. وتلخص الرسائل كذلك آراء قاسم في أعماله هو أولا، وأعمال غيره من المبدعين ثانيا، لتكشف عن ناقد عميق، يغوص في تحليل النصوص الأدبية، محاولاً استكناه أسرارها، وليس مجرد متذوق عادي.

    يقول عبدالحكيم قاسم في رسالة إلى الأديب محمود الورداني، عن الشاعر عبدالرحمن الأبنودي في شهادة قد تبدو صادمة للبعض «شيء في الأبنودي أقوله لك، وأنت تعرف ذلك هو حبه الشديد للشهرة والمال والتقرب إلى السلطة، ولا ألومه كثيراً، فالوجاهة في مجتمعنا ليست من نصيب الفنان مهما كان إبداعه إلا إذا أضافت له السلطة من لدنها شيئاً، وأنا في الحقيقة بيني وبين نفسي ابتسم، إن الأبنودي ريفي ماكر، وهو فنان حقيقي، وهو في ظني على قدر من الموهبة أكبر من ضعفه، بل قادر على تجاوز هذا الضعف وأن يحقق شيئا». والراحل الدكتور مصطفى محمود من وجهة نظر قاسم «دجال» وكذلك الكاتب أنيس منصور، أما الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات فـ«شخص نصف موهوب، نصف متهور، ومفلس اخلاقياً ووجدانياً».

    ورغم مأخذ قاسم على الأبنودي إلا أنه حاول ان ينصفه، فلم ينتقص من قدر موهبته، فقاسم كان مرتبطا بشكل لافت بأبناء جيله، يسأل عنهم في رسائله، وقراءة مجموعة قصصية لواحد منهم قادرة على ترتيب نفس قاسم، وإعادة الطمأنينة إليها، كما صرح بذلك في بعض خطاباته. فحين كانت تتراكم عليه أحزان الغربة كان يفزع إلى قصة «الليل الرحم» لمحمد روميش، أو «الخطوبة» لبهاء طاهر، أو يكرر هو وزوجته بعض جمل الكاتب إبراهيم أصلان.

    عام وخاص

    يختلط العام بالخاص في رسائل عبدالحكيم قاسم، فالرسالة قد تجمع بين أكثر من شيء، كتابة متحررة، تبدأ من الأمور الشخصية، لتصل إلى الحديث عن الهم العام، ففي إحدى رسائله التي كانت قبيل الاجتياح الاسرائيلي لبيروت يقول بمرارة: «إنني الآن أدرك كيف أنني عشت العمر كله أواجه في وطني قهرا حقيقيا وإذلالا حقيقيا، وأعيش مع ناسي مقاومة غير جادة، وثورة مغشوشة، وحماسة مدخولة. العمر كله أمشي في تظاهرات، وأحضر اجتماعات، وأسمع خطابات.. تلك نهاية جيلنا، جيل فشل نهائيا، وعلى كل المستويات، وبعد الانتصار الاسرائيلي، سيكون على نطاق العالم وضع شاذ مؤداه إذلال أمة كاملة في كل مكان..».

    يعتبر جامع الرسائل محمد شعير أن «كتابات نوبة الحراسة» الذي يقع في 253 صفحة ليس «سيرة للكاتب الراحل عبدالحكيم قاسم، بقدر ما هي سيرة جيل بأكمله، جيل الأحلام المسروقة، إذ تعكس الرسائل الجو الأدبي الذي نشأ وتكون فيه جيل الستينات، واللحظات الصعبة التي عاشها أثناء حكم عبدالناصر، ثم حكم السادات، خصوصاً بعد كامب ديفيد، مرورا بغزو بيروت وحرب الخليج الأولى.. كل هذا يجعل من هذه الرسائل توثيقا سياسيا واجتماعيا لهذا الجيل، وليس فقط لصاحبها».

    شعير الذي قلب في أوراق قاسم طويلاً، والذي يتمتع بدقة الباحث، ودأب الصحافي، ورغم أنه حرم قارئ الرسائل من الاطلاع على بعض أصولها، إلا أنه أثرى الكتاب بمقدمة تحليلية للخطابات، ولصاحبها، وللظرف الذي كتبت فيه، كما ضمّن كتابه ملاحق تعرف بمبدع الرسائل، وكذلك من أرسلت إليهم تلك الخطابات كي يضع الصورة شبه كاملة أمام القارئ الذي قد تكون بعض تلك الأسماء جديدة عليه.
    التعديل الأخير تم بواسطة رذاذ عبدالله ; 20 - 4 - 2011 الساعة 09:31 AM

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •