استعرضوا جوانبه التقنية والفنية والموضوعية

المسرح الإماراتي بعيون مخرجين أردنيين




أكد مخرجون أردنيون تسجيل المسرح الإماراتي حضوراً عربياً مهماً وفق معادلة حافظت على هويته الأصيلة وحققت نقلات نوعية في إيصال مضامينه وفق سياق يواكب أطروحات جدلية مطلوبة .



ووفق أمثلة عديدة رصدوها بينها مشاركة عروض إماراتية في مهرجانات أردنية وأخرى خلاصتها وجودهم في لجان وندوات ضمن فعاليات داخل الدولة، استعرض المخرجون جوانب تقنية وفنية وموضوعية متفاوتة، كما أشادوا بتجربة “أيام الشارقة المسرحية” وأكدوا جدوى الهيئة العربية في هذا المجال .



يقول المخرج خالد الطريفي: بدأت أشاهد تجارب المسرح الإماراتي في عام 1984 عبر عمل شارك في أحد المهرجانات المغربية وتواجدت لاحقاً في الشارقة ضمن ندوات ولجان متخصصة بين أعوام 2004 و،2010 كما تابعت عن كثب عروضاً جاءت إلى الأردن وبين هذا وذاك لمست تقدماً ملحوظاً ومتواتراً على كافة الصعد .



ويضيف: هناك تنويع مطلوب قاده مخرجون أثروا الخيال على الخشبة بينهم أحمد الجسمي وحسن رجب وناجي الحاي وعبدالله صالح ومحمد العامري وغيرهم، فيما ظهر جيل جديد استطاع تقديم شيء مختلف وأجاد في توظيف التقنيات وإتقان التعامل مع “السينوغرافيا” وفق حالات متباينة تتراوح صعوداً وهبوطاً لكنها تدل عموماً على مساعي جادة جهة المحاولة وتكرارها وحصد النجاح .



وحول انتقادات تدور في فلك “ثراء استخدام التقنيات على حساب التوظيف الأمثل” علق الطريفي: هذه ملاحظة تندرج ضمن مقولة “كلام حق غايته باطلة” لأن وجود متطلبات ذات تكلفة مادية كبيرة إن كان ليس دليلا دائماً على حسن توظيفها لكنه في المقابل لا يعني بالضرورة المبالغة على حساب المضمون، وثمة تجارب عديدة أثبتت ذكاء التجانس بين الأمرين، ربما أقربها إلى ذاكرتي عمل “التراب الأحمر”، وكذلك ما طرحه حسن رجب في مسرحية “الذي نسي أن يموت” وذلك عند تقطيع أطراف الجثة بالتزامن مع انطفاء الأضواء الصادرة من مصابيح الإنارة تدريجياً .



ورأى الطريفي قدرة واضحة في محافظة المسرح الإماراتي على “هوية محلية” ونقلها عربياً بصورة مفهومة معقباً: نجد في عمل “البقشة” لمؤلفه إسماعيل عبدالله استعراضاً مفصلياً لمواضيع واقعية مأخوذة من الشارع والسوق والمقهى ومفردات البيئة الشعبية لكنها قفزت عن حاجز اللهجة من خلال فن الإلقاء الصحيح والإشارات والحركة ومقتضيات التعبير الواجب تجاوزها، والنقل المباشر إلى متطلبات تفرض تأويلات جدلية ضمن مقاييس مسرحية تلازم الوقوف على الخشبة بما تحتاجه من مقومات فنية وتقنية معينة .



ووجد الطريفي أن تخصيص مهرجان ل”المونودراما” في الفجيرة إلى جانب “أيام الشارقة المسرحية” وتوسيع الدائرة نحو مهرجانات أخرى متخصصة يعد إضافة لإفراز وجوه جديدة واستمرار الحركة الفنية الدؤوبة على مدار العام، مشيراً إلى كلفتها إنتاجياً وخشية تأثير ذلك في قيمتها .



ورأى المخرج حاتم السيد تأثيراً واضحاً للخبرات العراقية في المسرح الإماراتي محدداً أسماء مخرجين مثل قاسم محمد وعزيز خيون ومحمود أبو العباس، وأردف: استفاد المسرح الإماراتي من مدرسة “بلاد الرافدين” المسرحية بكل أبعادها وقدّم أعمالاً مهمة انطلاقاً من ترجمة قدرات وملكات لافتة أثبتت تقدماً ملموساً .



وتابع: شاهدت عروضاً إماراتية في مهرجانات أردنية وعربية بدءاً من عام ،1997 وكذلك حضرت فعاليات في الدولة آخرها مهرجان “المونودراما” الذي استقطب 59 عملاً في دورته السابقة جميعها نقلت تجارب متنوعة لأبناء الوطن .



اشار السيد برغم مرور المسرح العربي بظروف محبطة عموماً إلا أنه لا يزال حضوراً إماراتياً يتمسك بالوقوف على الخشبة وإتاحة فرصة توفير متطلباته مادياً ورصد مصاريف تكفل الأداء براحة وبلا استكانة لقهر الإبداع أو تقليص وسائل إبرازه وهذه نقطة إيجابية يفتقدها آخرون .



ووصف السيد تجارب الإخراج الإماراتية التي تابعها ب”الواعدة” معدداً في هذا النطاق حسن رجب وجمال مطر ومحمد العامري الذي اعتبره “تلميذاً نجيباً” لصاحب الخبرة عبدالله المناعي، وعلق: هم انخرطوا بشكل مكثف ضمن تفاصيل التعاطي مع الخشبة وخاضوا محاولات عديدة، ولكن من المؤسف انسحاب أو تراجع بعض الأسماء ربما إرهاقاً أو سخطاً على وضع المجال عموماً .



وأشاد السيد ب”أنا والعذاب وهواك” التي نالت الجائزة البرونزية ضمن دورة مهرجان المسرح الحر السادسة في عمّان مؤخراً وتابع: أعجبني اتجاه ثنائي التمثيل عبدالله مسعود وعبدالله راشد إلى “لغة الحركة” في طرح هموم تشمل جوانب إنسانية صالحة للتطبيق في أي مكان وزمان هو تجانس يدل على “تشرّب” الحرفة، كما أن هذا الثنائي فرض وجوده في تجارب سابقة في الفجيرة وسط كتّاب لهم حضورهم مثل محمد سعود الضنحاني وأعتقد أن فكرة التفريغ المسرحي يجب تعميمها بصورة أوسع .



وقال المخرج حكيم حرب: شدني كثيراً عرض “النمرود” حين تابعته في المغرب واستطاع تقديم المسرح الإماراتي استناداً إلى نص مهم أظهر تشخيصاً واقعياً في قالب مسرحي التزم بتقنيات صحيحة، وأداء مبهراً حقق توزيعاً منطقياً لأدوار الممثلين لاسيما أحمد الجسمي .



وأضاف: العروض الإماراتية على درجة كبيرة من الوعي والأهمية وتفرض احتراماً وتقديراً وثمة تطور على صعيد اللجوء إلى حلول تقنية حديثة تسمح بالتجريب وتحتاج الموضوعات إلى درجة أعمق في تناول قضايا إنسانية أشمل تحصد اهتماماً أوسع .



واعتبر حرب مهرجان “أيام الشارقة المسرحية” إضاءة منفردة في ظل رعاية رسمية واستيعاب أفضل العروض وعقد ندوات مهمة، كما توقع عوائد إيجابية من خلال الهيئة العربية للمسرح ما يعكس نمواً راسخاً يلازمه اهتمام مطرد للمسرح الإماراتي .



ولفت حرب إلى خلو المسرح الإماراتي تقريباً من عروض سطحية موسمية تنتهج التهريج ضمن مسمى “التجارة الرخيصة”، قال: هذا مؤشر رفيع المستوى على تقدير قيمة الخشبة وعدم السقوط في شباك ما يطلق عليها الكوميديا السوداء .



واعتبر حرب نقص الوجوه النسائية معضلة عامة سببها تحفظ المجتمع الشرقي ووجود نماذج أساءت للفن فضلاً عن الانجرار خلف الماديات وشهرة الدراما التلفزيونية، فيما وجد مشروع التفريغ المسرحي من شأنه دعم الحركة وضخها بقدرات ناجعة .



وتوقف المخرج محمد الرفاعي عند ملاحظات تقنية وإخراجية وأدائية وموضوعية قائلا: هناك نضوج واستناد واضح على ثقافة واسعة في التعامل مع السينوغرافيا لكن بات مطلوباً الارتكاز بصورة أجدر على ديكور الكتل المتحولة والاهتمام بالصرف المادي على مقتضيات العروض سواء تجهيزات الخشبة أو ملابس الشخصيات عند المشاركة في مهرجانات خارجية .



وتابع: بعد نجاح طرح قضايا محلية الطقوس أصبح ملحاً الانتقال بصورة أوسع إلى أخرى تلامس جوانب إنسانية تتجاوز الحدود، فيما ثمة تطور ملحوظ في مرونة الأداء الجاد وفق مهارات جسدية على الخشبة .



ووجد الرفاعي تخلصاً ذكياً من الحوارات الممتدة التي اعتبرها غير مجدية وتعويضها عبر مونولوجات قصيرة ما حقق تجاوزا لما نعتها خطابة مباشرة، فيما اعتقد أن بعض المخرجين يتعمد الاستعراض على حساب المضمون في التعامل مع نقلات شكلية ربما تحاول تعويض نقص عناصر مساعدة .



واعتبر المخرج فراس الريموني المسرح الإماراتي قد مر بخطوات جيدة نحو بناء منظومة جمالية خاصة وعقب: في نطاق العروض الجادة نجده الأبرز خليجياً وفق مهرجانات عديدة وهناك رؤى إخراجية مفصلية أصبحت ثقيلة الوزن ويشغل حضورها حيزاً عربياً مهماً .



ورأى الريموني وجوب تخصيص أكاديمية جامعية مستقلة تهتم بتخريج أصحاب علم في كافة المجالات ضمن هذا النطاق بحيث تستثمر خبرات محلية معروفة في عطائها واستنادها إلى شهادات دراسية عربية وعالمية ورصيد عملي كبير من أجل ضمان تواصل الأجيال إلى أساس فني سليم .