5 يونيو هزيمة من؟

أمجد عرار

* دار الخليــج




الخامس من يونيو/حزيران يوم لا يُنسى في تاريخ الشعب الفلسطيني والأمة العربية، ليس لأنه يوم هزيمة عسكرية، فالهزيمة إحدى نتائج المعركة، بل لأنها جاءت مناقضة للآمال التي كانت معلّقة على القيادة المصرية وعلى رأسها الزعيم الخالد جمال عبدالناصر، ولأنها أفضت إلى فقدان ما تبقى من فلسطين، بما فيه الشطر الشرقي من القدس، إضافة لسيناء والجولان وجزء من أراضي لبنان والأردن . بهذا المعنى كانت الهزيمة زلزالاً هز وجدان الأمة العربية وأصابها بالإحباط وفقدان الثقة بالقيادة العربية، والإحساس بعدم القدرة على الفعل واسترداد الحقوق المسلوبة .


لم يكن ما جرى في الخامس من يونيو عام ،1967 هزيمة للشعوب العربية بقدر ما كانت هزيمة للنظام الرسمي الذي حيّد طاقات الشعوب باعتبارها الفارق الفعلي في موازين القوى، وخاض حرباً كلاسيكية غير متكافئة أمام عدو مدعوم دعماً مطلقاً متعدد الأوجه والأشكال من الإمبريالية العالمية .


ومن الضروري التذكير بأن ما جرى كان هزيمة حقيقية لهذا النظام الرسمي، وما إطلاق مسمى نكسة عليها، سوى تضليل وتقليل من المعاني والدلالات والتداعيات التي ترتّبت عليها، رغم أننا لم نفهم على وجه الدقّة الميدانية كيف سقطت الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان وغيرها من الأرض العربية، في بضعة أيام، أو ساعات حسب رواية أخرى .


من الأهميّة بمكان القول إنه عندما تكون الهزيمة لطرف فرّط بمقومات قوته، لا تكون انتصاراً للطرف الآخر، وحتى القادة والمحللين “الإسرائيليين” الذين تبجّحوا وروّجوا لنصر على “العرب”، يدركون في قرارة أنفسهم أنهم لم يواجهوا العرب، بل حاربوا جيوشاً ليست جاهزة وغير مسلّحة جيّداً، ولم تستعد للمعركة كما يجب أن يكون الاستعداد، وقد جاء الكثير من الوقائع والجولات اللاحقة ليبرهن على أن الضعف العربي هو المقوّم الأساس لقوة “إسرائيل” رغم كل ما تحظى به من دعم إمبريالي ومن نفاق دولي .


وحتى لا يكون كلامنا ضرباً من الرومانسية، لا بد من الإشارة إلى أن الهزيمة التي تركت آثاراً إحباطية لدى جيلها ولدى الجنود الذين شاركوا ولم يستشهدوا، فإننا نذكّر بأنه بعد عشرين عاماً من تلك الهزيمة، قام الجيل الذي وُلد بعدها بنفض غبار الاستكانة، وأطلق في التاسع من ديسمبر/كانون الأول عام ،87 أكبر وأطول انتفاضة في التاريخ، انتفاضة دخلت بهذه الكلمة قاموس أوكسفورد وجعلت للحجر معنى آخر لم يأخذه منذ بدأت البشرية، معنى تجاوز تأملات النحّاتين .


تأتي ذكرى الهزيمة في ظرف عربي جديد يحمل في طياته الأمل والخطر في الآن ذاته حيث المخاض لا يزال مستمراً وما زالت الوجهة غير واضحة، رغم الأهمية الثورية الكامنة في النهوض الشعبي العارم وإحساس الشعوب العربية بقدرتها على أخذ زمام أمرها بيدها، ولعل المسيرات الحدودية الفلسطينية والعربية الحاشدة في ذكرى النكبة، والفعاليات التي تجري اليوم، تؤسس لعصر عربي جديد جوهره أن الشعوب لديها القدرة والوسيلة لكي تؤكد أنها البوصلة للمستقبل . وأكثر من ذلك، بإمكاننا أن نراهن على مصر الجديدة التي ستجتاز بالتأكيد كل صعوباتها وستستعيد، بل بدأت باستعادة ريادتها وقيادتها للأمة العربية ودورها الطبيعي المفصّل على مقاسها . نحن على ثقة بأن مصر الثورة قادرة على إصلاح ما أفسده نظامها السابق، بل هي قادرة على إصلاح ما أفسده الدهر .