ليس بالغناء وحده

خيري منصـور

* دار الخليــج







ما أنفقه العرب المعاصرون على أناشيد واستعراضات وكرنفالات عشق الوطن قد يأتي في المرتبة الثالثة بعدما أنفقوه على التسليح والرياضة . ولو قدر لإنسان يعيش خارج الكوكب، لكنه يسمع ما نقوله عن أوطاننا وما نكتبه ونغنيه لأيقن أن هذا الوطن لؤلؤة ونحن الثلث مليار محارة حولها، وأنه ما من كائن في الكون يتجاسر على الاقتراب من آلاف الأميال البعيدة عن تخومنا وثغورنا، لكن الكلام يبقى سهلاً إلا لمن حرموا من نعمة النطق فكانوا الأصدق منا جميعاً لأنهم مضطرون للتعبير عن عواطفهم بالعمل، وحين أسمع أغنية عربية اشتهرت منذ عقود تقول كلماتها: “لا آكل ولا أشرب، فقط أتطلع في عيونك”، تأخذني الدهشة كما في المرة الأولى، فهل هناك بشر عاطلون عن الحياة برمتها ومتفرغون للتحديق في عيون من يحبون فقط؟

ولا يشبه هذه المبالغة إلا ما قاله الشاعر ذات يوم . . عن دموعه فلولا ملوحتها لظن أنها الأنهار التي تتدفق في العالم الذي يعيش فيه، ولا نريد الاستطراد في رصد المبالغات المريبة والتي تفوق طاقة البشر الذين رحمهم الله من هذا فلم يكلفهم فوق طاقتهم .

كم من الملايين وربما المليارات أنفق خلال ثلاثين أو أربعين عاماً في عدد من أقطار العرب على أناشيد وحفلات وأغنيات انتهت جميعها إلى ركام أصم بعد زوال الزعيم ونظامه؟ لم يخطر ببال أحد منا أن يحصي مثل هذه الجهود والأموال التي بددت سدى، والطريقة المثلى للتعبير عن أي حبّ هي الاعتراف بأن هذا المحبوب يستحق أن نسعى إلى إسعاده، وليس إلى تحنيطه والتحديق في عينيه أو إحراقه وملء الكأس برماده كما فعل ديك الجن . فما بالنا عندما يكون هذا المحبوب هو الوطن بكل دلالاته المعنوية والروحية والوجدانية إضافة إلى معناه الوجودي؟

أوطاننا وبمعنى أدق وطننا إذا سمح لنا السيدان سايكس وبيكو لن تعاتبنا على شحة الغناء أو إجراء ريجيم إعلامي لما تورم وانتفخ من الاستعراضات، إنها تعاتبنا وسوف يأتي يوم تعاقُبنا فيه على البطالة والإركان إلى الشعار وتحويل الأرض بكل ما يتفجر في باطنها وعلى سطحها من حقيقة ملموسة باليد المجردة والعين حتى لو كانت كليلة إلى تجريد لفظي، وزخرفة بلاغية، فالأرض لا تشرب شعراً رغم حاجتها إلى شيء منه إذا كان يليق بكبريائها وخصبها وأمومتها الأصيلة .

وإذا كنا على موعد مع إتلاف وإحراق ملايين الأشرطة وآلاف الأطنان من الورق الملوث بالمدائح الكاذبة والبروباغندا كل بضعة عقود فإن الأمر جلل .

وعندئذ نجد أنفسنا كمن يبني بيوتاً من الرمل على الرمل أو يكتب على الماء .

تعالوا نجترح أسلوباً نعبّر فيه عن عشق هذا الوطن وافتدائه بدءاً من التبرع لشجرة جريحة بالدم حتى مسح دموع ترابنا برموشنا .