يوسف الخطيب.. آخر فرسان قصيدة المقاومة العربية * هشام عودة
* الدستور الاردنيـة
ثمانون عاماً ظلت فيها قامة الشاعر يوسف الخطيب عالية؛ ليس في فضاء الشعر وحده، بل في فضاء الأمة، شاعراً ومناضلاً وأستاذاً لأجيال ظلت تتعامل معه بوصفه معلماً، واستطاعت قصيدته المقاتلة الحفاظ على اتجاهها منذ كتب في مطلع الخمسينيات (من القرن الفائت) مجموعته «العيون الظماء للنور»، حتى آخر كلمة قالها قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، نهاية الأسبوع الماضي، في دمشق.
آخر فرسان قصيدة المقاومة وصفٌ قد لا يعطي الشاعر حقه، في الحياة الثقافية المعاصرة، وقد لا يقدم ملامح شخصيته التي ظلت طاغية في كل الميادين التي عمل فيها شاعراً، ومذيعاً، وإعلامياً، ومثقفاً، وحزبياً، ومناضلاً، ليؤسس مدرسة متفردة بسطت أجواءها على مساحة الوطن كله، وصار اسماً حركياً لكل القابضين على جمر المبادئ، وكل المتشبثين بوعي الحقيقة التي ظلت عصية على الغياب، في معمعة الخطاب الغوغائي، الذي أدار ظهره للوطن والتاريخ ودم الشهداء.
تعرفت إلى يوسف الخطيب، اسماً شعرياً كبيراً، منذ وعت عيناي فضاء القصيدة العربية، وتعرفت إليه مناضلاً، وقامة عالية، عن قرب، حين تشرفت بالمشاركة معه في المؤتمر العام للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين، الذي عقد في شباط، من عام 1987، في الجزائر؛ المؤتمر الذي كان «توحيدياً»، وظلت بوصلة الخطيب وكلماته تشير إلى الوحدة بوصفها طريقاً للوطن، وتشرفت بالمشاركة معه أيضاً في المؤتمر العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، الذي عقد في بغداد، في كانون الثاني لعام 2001، وكان الخطيب واحداً من الأسماء الكبيرة، والمهمة، التي حضرت المؤتمر للبحث عن مخرج لأزمة «كتاب فلسطين» في اتحاد الكتاب العرب.
في ذروة الحراك الشعبي العربي، في ما بات يعرف بالربيع العربي، يرحل يوسف الخطيب وهو مطمئن إلى أن قصائده المقاتلة أخذت دورها في حياة الناس، وحراك الشوارع الذاهبة إلى تكريس الحرية، وانتزاع الديمقراطية التي تسهم في تقريب الطريق إلى الوطن الذي ظل الشاعر يحلم به حراً عربياً خالياً من دنس الاحتلال. ومن المؤكد أن شاعراً مناضلاً، بمواصفات الخطيب الذي ظلت بوصلة حركته متجهة نحو فلسطين، قد غمرته السعادة وهو يرى جيل الشباب العربي يحطم كل التابوهات التي اعتقدنا أنها صلبة وراسخة، على طريق تحرير الوطن والأمة.
برحيله خسرت القصيدة العربية فارساً كبيراً، وبغيابه أظلمت زاوية واسعة في خيمة الشعر العربي المقاوم، لكن تراث الشاعر، وما تركه بين أيدينا من شعر وقصة وغيرهما من صنوف الكتابة سيظل مضيئاً في الوجدان العربي، الذي تعامل مع الخطيب بوصفة شاعر الأمة وليس شاعر فلسطين، وحدها؛ شاعراً ظل حلم الوحدة العربية ملازماً له، حتى في أحلك الظروف السياسية، وأقساها.
«ديوان الوطن المحتل»، و»صوت فلسطين من دمشق»، و»دار فلسطين للثقافة والإعلام»، وغيرها من الإصدارات والإنجازات تعد محطات لا يمكن تجاوزها، ليس في حياة الخطيب وحده، بل في أي قراءة تتعامل مع القضية الفلسطينية، في نصف القرن الأخير.
الملايين التي شكك فيها الشاعر الكبير، قبل عقود، رآها وأحس بها في الشوارع والميادين العربية، التي انطلقت من قلب العتمة لتضيء نهارات العرب؛ من الماء إلى الماء.





رد مع اقتباس