بعد خمسين عاماً على رحيله .. إرنست همنغواي..هل كانت الـ «إف. بي. أي» السبب في إقدامه على الانتحار
* الثـورة السوريـة
استعادت الأوساط الأدبية العالمية في 2 تموز الحالي ذكرى مرور خمسين سنة على انتحار الكاتب الأميركي الشهير إرنست همنغواي، حيث أقيمت له أكثر من احتفالية في أكثر من مكان. الذكرى «الأليمة» كانت مناسبة لإعادة إلقاء الضوء على كاتب وسم الأدب المعاصر، بأسلوبه الذي يجد العديد من النقاد أنه أثر في أجيال كثيرة أتت من بعده، لا في الولايات المتحدة فقط، بل في العالم.
ذكرى الانتحار والرحيل، كانت أيضاً مناسبة لإعادة إصدار بعض كتبه القديمة بطبعات جديدة، كما تم ترجمة بعض النصوص مثلما حدث في العاصمة الفرنسية مع كتاب «باريس هي عيد»، كما نشر كتاب – ألبوم، يتضمن العديد من الصور غير المعروفة أو التي تنشر للمرة الأولى للكاتب، وكتبت مقدمته، حفيدته مارييل همنغواي التي لم تتعرف إليه مطلقاً. لكن بين هذا وذاك، ثمة «مفاجأة» لا بدّ أن تثير انتباهنا وهي المقالة التي نشرها صديق الكاتب وكاتب سيرته أرون إدوارد هوتشنر في صحيفة «نيويورك تايمز»، يوم 2 تموز الحالي، اعتبر فيها أن مراقبة رجال «الإف. بي. أي» اللصيقة لهمنغواي هي ما دفعته إلى الانتحار.
من هذه النقطة الأخيرة، نستعيد، بداية، مقالة هوتشنر في «النيويورك تايمز»، قبل أن ننتقل إلى بعض الجوانب الأخرى، التي عرفتها الاحتفاءات بهذه الذكرى. قبيل الانتحار في صباح الثاني من تموز من العام 1961، استلّ كاتب «الشيخ والبحر» – وكان في الواحدة والستين من عمره – بندقية الصيد المفضلة لديه ليطلق رصاصة في رأسه. يومها قيل إن فعلته هذه مردها إلى بعض الاضطرابات «الثنائية القطب»: شعوره بأنه فقد الوحي الذي يدفعه إلى الكتابة، الكآبة التي عاناها بسبب مشكلاته المادية كما إلى بعض المشكلات الصحية بالإضافة إلى مشكلاته الزوجية.
اليوم، يخالف أرون إدوارد هوتشنر – الذي كان صديق همنغواي الكبير والحميم خلال السنين الأربع عشرة الأخيرة من حياته - هذه الفرضيات ويعيد طرح الأسئلة عليها، عبر رسالة نشرها في الصحيفة الأميركية ويذكر فيها بأن همنغواي عاد إلى كوبا عام 1959 كي يكتب مقالة طلبتها منه مجلة «لايف». إلا أن «الإف. بي. أي» شكّت يومها في تعامله مع النظام الكوبي فأخضعته لمراقبة دقيقة ولصيقة وهذا ما يدل عليه الملف الذي نشر عام 1983 والذي يقع في 127 صفحة. حتى إن الملف هذا يشير إلى أن أحد العملاء الفيدراليين، وهو ج. إدغار هوفر، وجد متعة خاصة في توليه هذا التحقيق.
يتذكر هوتشنر في رسالته الشهور التي سبقت انتحار همنغواي، ويتحدث عن كآبة همنغواي الطافحة حين زاره في منزله في إيداهو، يقول على لسان الكاتب: «أعيش أقسى أنواع الجحيم، إنهم يتنصتون علي في كل مكان. لهذا أستعمل سيارة ديوك، إذ إن سيارتي مليئة بأجهزة التنصت. كل شيء كان مراقباً. من المستحيل أن أتصل بالهاتف. رسائلي تصلني مفتوحة». هذه المراقبة اللصيقة، عادت لترافق همنغواي خلال وجوده في مستشفى سانت ماري، في ولاية مينيسوتا، الذي دخل إليه الكاتب عام 1960 لتلقي العلاج النفسي بالصدمات الكهربائية. ويعترف هوتشنر في رسالته هذه بأنه لم يقدر يومها «الرعب» الذي كان يعيشه همنغواي من رجال الاف. بي. أي. لهذا « أحاول اليوم أن أقارن بين ذاك الخوف وما بين التحقيق الفيدرالي. أعتقد فعلاً أنه كان يشعر بالقلق من المراقبة وقد ساهم هذا الأمر في ازدياد كآبته ما دفعه إلى الانتحار».
باريس هي عيد
صحيح أن كوبا كانت البلاد المفضلة عند همنغواي، إذ لم يتوقف عن العودة إليها، بل هي أيضا التي أوحت له برائعته «الشيخ والبحر»، إلا أن لباريس نكهة مميزة عند الكاتب، فهي المدينة التي شهدت أولى خطواته الأدبية وخاصة أن باريس في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، كانت المدينة التي سكنها العديد من الكتاب الأميركيين. حول هذه العلاقة مع المدينة كتب همنغواي كتاباً بعنوان «باريس هي عيد» (وفق الترجمة الفرنسية)، ولمناسبة الذكرى الخمسين لرحيله، أعادت دار «غاليمار» إصدار الكتاب بترجمة جديدة، وهو ككتاب يقدم لمحة معمقة عن هذا الجيل الأميركي الذي رأى في باريس عاصمة للثقافة العالمية.
ثمة «سيرة»، إذا جاز القول، لهذا الكتاب تستحق أن تروى. ففي شهر تشرين الثاني من عام 1956، زار همنغواي باريس بعد غيبة طويلة عنها، قادماً إليها من اسبانيا. وكما عادته، نزل في فندق «الريتز» الشهير، وفور وصوله أعطاه المسؤول عن الحقائب حقيبتين كانتا موضوعتين في قسم الأمانات منذ العام 1928. كان همنغواي قد ترك هاتين الحقيبتين هناك قبل ثلاثين سنة، ونسي أمرهما كلياً. وحين فتحهما وجد فيهما دفتري ملاحظات وبعض الوثائق الأخرى التي تعود إلى إقامته الأولى في العاصمة الفرنسية خلال العشرينيات.
هذه الوثائق والملاحظات أتاحت له فيما بعد أن يعيد صوغ كتابه «باريس هي عيد»، ليأتي كتاباً «عن الزمن الضائع» عن زمن «هذا الجيل التائه». من هنا يشكل «باريس هي عيد» القطعة الأساسية التي تسمح للقارئ باكتشاف باريس همنغواي التي يقول عنها. صحيح أنه كتاب عن باريس، لكن في الواقع، لا بد لنا أن نجد العديد من المراجع الباريسية في غالبية أعمال همنغواي.
ثمة العديد من الصور أيضا التي تظهر همنغواي وهو يتجول في باريس حاملاً خريطة المدينة بيده، أكان يومها مراسلاً حربياً أم عائداً إليها من أجل الصيد. هذه الخرائطية الباريسية، موجودة في العديد من كتبه السردية أو في مراسلاته العديدة، إذ كما هو معروف عن الكاتب، رغبته الكبيرة في تحديد الأمكنة (مثلما نجد في رواياته وأقاصيصه). في أي حال، ثمة «مثلث» باريسي نجده في كتابه هذا الذي يغطي فترة أشهر قليلة قضاها هناك عام 1922 برفقة زوجته.
هذا المثلث يتراوح بين مكان الإقامة والعمل (القراءة والكتابة)، ومكان التبادل (النقاشات مع الآخرين) ومكان ممارسة الرياضة (قاعة الملاكمة أساساً)، وفي هذا المثلث سرعان ما وجد عاداته: التردد إلى المكتبات، المقاهي، المطاعم، محترفات الرسامين... في أي حال، نكتشف في هذا الكتاب، مدينة باريس من وجهة نظر خاصة تعود إلى كاتبها، وكأنها بمعنى ما، تقف على الطرف الآخر من كوبا.
كانت باريس مرحلة الشباب والتعلم والبدايات وبداية المسار الأدبي، أما اسبانيا فكانت اكتشاف الالتزام السياسي، أما كوبا فهي هذه البلاد الذي عجنت همنغواي ومنحته «الهدوء» والعزلة للكتابة، كانت المكان الذي كتب فيه كل رواياته الكبيرة. لقد عاشها بكل تفاصيلها، من هنا، نجد أن الكوبيين لا يزالون لغاية اليوم يفردون مساحة لهذا الكاتب الذي أحبهم وأحبوه. حتى إن بعض شركات السياحة، قررت لمناسبة هذه الذكرى، أن تقيم رحلة يتبع فيها السائح الأمكنة والمسارات التي كان يرتادها همنغواي هناك.
كتاب «همنغواي. الحياة والمكان الآخر» (منشورات ميشال لافون) تكتب فيه حفيدة الكاتب، مارييل همنغواي، تحية لجدها الذي لم تعرفه، إذ توفي قبل أن تولد، لكن الجميل في هذا الكتاب وجود أكثر من 300 صورة، غالبيتها تنشر للمرة الأولى. أيّ إنها تعود إلى أرشيف العائلة لتستل منه بعض الصور التي لم نعرفها قبلاً عن الكاتب حيث تقدم لنا «سيرة حياة» عبر الصورة، وكأننا بذلك نكتشفه من جديد.







رد مع اقتباس