ربيع من شجرة واحدة
خيري منصور
* دار الخليج
غاندي الجديد أضرب عن الطعام أسبوعين ونجح في تحقيق هدفه ولو بشكل رمزي بادئ الأمر، فالفساد لم يعد هاجعاً في أوكاره، والمساءلات الشعبية التي تتوزع بين القانون والأخلاق لن تتوقف، وهذا بحد ذاته مجهود فردي ريادي، فالمهاتما غاندي كان رجلاً واحداً في البداية وأنحل من رمح، لكن الإرادة لا ترتهن للأجساد، بقدر ما هي إفراز روح باسلة .
وبعيداً من كل ما يقال حول عدوى الربيع التي بلغت أعماق آسيا وعبرت سور الصين العظيم، وتجاوزت أدبيات الهايد بارك ورمزيتها السياسية في لندن، فإن المناخ السائد الآن في عالمنا يحرض على إعادة النظر في كل شيء .
وكأن ديكارت آخر قد ولد في أيامنا ليعلن شعاراً بعد التحوير هو “أنا أتمرد إذاً أنا موجود”، كبديل لذلك الشعار الفلسفي المجرد القائل “أنا أفكر إذاً أنا موجود”، ومن يقرأ التاريخ لأهداف تتخطى التسلية يجد أن هناك فترات هبت فيها رياح التغيير مشبعة بغبار طلع من طراز آخر، مقابل فترات من الخمول والاستنقاع وإسلام الأمر لأولي القهر والزجر .
الهندي أنا هازاري قد يقرأ اسمه بعض العرب وكأنه يقول أنا هزار، وبالتالي فهو يغرد شأن الهزار ولا ينعق أو ينعب، وقد سبق للفيلسوف هيغل أن حذر الحضارات من نعيب البوم في الأفق بعد الغروب، وذلك بالطبع بالمعنى المجازي للغروب، ولا أظن ما نسمعه الآن في آفاق العالم نعيباً أو نعيقاً، وقد لا يكون أيضاً زقزقة عصافير، فالغابات مغطاة بدخان الحرائق، والسماء غير صافية، وثمة غربان حديدية تحتل الفضاء، لكن العصافير تقاوم . . دفاعاً عن ملكوتها الذي خلقت لتحلق فيه .
الهندي هازاري ليس شجرة واحدة إلا بقدر ما تحجب الشجرة الغابة كما يقال، فهو شحنة لها ما يماثلها على امتداد القارات التي يبدو أنها أصبحت بلا قرار، وقد لا يقرّ لها قرار حتى يعود الإنسان حراً بعد أن حوله تاريخ غاشم إلى رهينة .
والمسافة من جسد البوعزيزي الذي أضاء ليلاً دامساً إلى إضراب الهازاري في الهند مأهولة بأسئلة وهواجس وناشطين عزل ودبابات مدججة، لكن الفضاء على الأرجح سيبقى وطناً للعصافير أو ما تبقى منها على الأقل .





رد مع اقتباس