حين تصبح الابتسامة نضالا

موسى حوامدة

* الدستور الأردنية







هي لا تعرفني، وأنا لا أعرفها، وربما لن تقرأ ما سأكتب عنها، لكنها ذكرتني بميلان كونيدرا، الذي بنى رواية كاملة على مجرد حركة يد امرأة.. فتاة نضرة وجميلة في عمر الورد، لم أرها في البداية. كنت أمر من شارع الجاردنز، حيث أسكن، وفي الطريق شاهدت شاباً منغولياً يافعاً ـ وهو يلبس ملابس بيضاء ـ وكان بجانبه شاب آخر يشبهه، وحينما جلت ببصري في المكان، كانوا مجموعة من الشباب الصغار المصابين بهذ المرض، وكانت هناك فتاة عشرينية تلبس مريولاً أبيض؛ تقف أمامهم، وتنظمهم وتشرح لهم، وكان وجهها يطفح بالبشر، والتفائل والأمل، وابتسامتها الجميلة تغطي محياها.. كانت تلك الابتسامة ساحرة؛ مقبلة على الدنيا والحياة، غير متضايقة من وظيفتها، وطلابها أو مرضاها، تفسر لهم وتعلمهم ما ينبغي لهم أن يتعلموا كي يتغلبوا على عجزهم ومرضهم.

واضحٌ أنها كانت تصطحبهم في رحلة بسيطة داخل العاصمة، أو حتى داخل الشارع، وربما كانت تسعى إلى تنظيمهم لأمر ما: إما لشراء إفطار لهم أو لزيارة مكتبة قريبة أو ما شابه. ما لفت نظري، وما ظل في ذاكرتي تلك الابتسامة الساحرة والعذبة والنافذة؛ فهي ـ رغم أنها تتعامل مع مجموعة من البسطاء والمرضى، الذين قد يصيبون المرء بالكآبة لمجرد رؤيتهم ـ مقبلة على عملها بصدر رحب، وحيوية، وطاقة عجيبة جعلتني أتذكر الكثير من الناس الذين يملكون كل شيء، ويعيشون في قصور أو منازل جميلة، وحينما تمر من جانبهم، أو تضطر لمقابتهم ترى بؤس الدنيا وغضب العالم في وجوههم، بل تصل بهم الأمور إلى الكآبة والغضب لأتفه الأسباب.

فكرتُ كثيراً في المسألة، وقارنت بين الصورتين، ودفعتني تلك الفتاة إلى التفكير في ما يجري حولنا ـ في العالم العربي ـ من ظلم وازدواجية وقهر وفقر وبؤس، وتكالب على السلطة، وفساد قد وصل العظم وتخطاه.. كل ذلك دون شعور بالطمأنينة والسعادة وراحة البال، وهو ما ينسحب على المجتمع العربي كاملاً، وفي كل ميادين الحياة؛ فلا السياسي قادر على أن يعطي بتجرد ومحبة ونزاهة، ولا رجل الأعمال، والمسؤول، والاقتصادي وصل إلى مرحلة الشفافية والصدق والتسامي. والمصيبة أن المثقفين ـ أيضاً ـ يتصرفون وفق منطق انتهازي عشائري غريب، ولا يطبقون النزاهة حتى في أصعب الظروف.


فكم من مثقف توسط لزميل له أو لصديق ليشغل منصباً وهو يعرف أن زميله لا يستحق هذا المنصب، بل الغريب أنه لم يفكر للحظة إن كان يصلح لذلك؟ وكم من ناقد كتب عن كتاب دون قناعة؟ وكم من مثقف بالغ في مديح اسم معين وهو مؤمن ـ من الداخل ـ أنه لا يستحق هذا الكلام؟

غياب المصداقية والنزاهة صار ظاهرة، والرياء بات خبزنا اليومي، والاستبداد صار له محامون وأصابع ودبلوماسية، وصار يعرف كيف يحمي نفسه، وكيف يتصرف ويبدو في مظهر أنيق وجذاب وحضاري.

وكم من معارض تحول إلى انتهازي؟ وكم من يساري قلب ظهر المجن لليسار؟ وكم من حزبي عنيد، تراخى حتى صار أقصى اليمين؟

وفي حالتنا التي صارت مسرحاً للامراض الحقيقية، وصارت مجرد الابتسامة نضالاً حقيقياً، وثورة حقيقية التقطت ابتسامة تلك الفتاة العذبة وهي تربي شبانا في عمر الورد، شاء حظهم السيء أن يكونوا مرضى، ولكني رأيتهم في عافية وصحة، لأنهم بعيدون عن خطايانا ونفاقنا وهزائمنا.. رأيتهم يبستمون للحياة ولا يحملون حقداً على أحد، بل يتجاوبون مع كلمات معلمتهم بكل رضا وسرور.

هذه ليست مقالة ولا قصيدة، ولا بياناً ولا حتى خاطرة، إنها لفتة نظر يحتاجها روائي عاجز عن افتتاح روايته بلقطة إنسانية شفافة، أو حكاية، تفتح له آفاق سرد لا يتوقف عن الجمال الذي اختفى، والمصداقية التي دُفنت، منذ سنوات، دون مشيعين.