33 سنة مرت على رحيل المبدع لؤي كيالي ... عاش 48 سنة.. وترك ثروة تشكيلية لا تقدر بثمن

* الثـورة السوريــة





لم يكن أهله قد عرفوا أن هذا الصبي الأشقر الشعر «الصورة» الذي ولد في حلب في كانون الثاني عام 1934 سيكون له شأن كبير في عالم الفن التشكيلي السوري، يقوده إلى العالمية، بعد قرابة ربع قرن.
إنه الفنان السوري لؤي كيالي الذي اختزنت عيناه في رحلة الحياة القصيرة التي عاشها صوراً لوجوه وأشخاص وحالات، جسدها في لوحات، جعلت منه أغلى فنان سوري في عالم الفن التشكيلي، لا يقل عن الأفذاذ الموهوبين في العالم، الذين تباع لوحاتهم بمئات الملايين.‏

اهتمام بالرسم منذ الصغر‏

عاش الصبي الأشقر في أسرة مرموقة في حلب، ولوحظ اهتمامه بالرسم منذ الصغر، كان وهو يدرس في مدارس حلب الابتدائية والثانوية، مشغولاً برسم رفاقه وأساتذته، وخاصة برسم الوجوه الشعبية التي يصادفها في طريق الذهاب والإياب من البيت إلى المدرسة، وبالعكس بسبب هذا الاهتمام الاستثنائي لصبي في عمره انتبهت أمه (صاحبة الصورة مع ابنتيها وابنها لؤي التي أظن أنها تنشر لأول مرة)، فسعت أن توفده إلى إيطاليا لدراسة الفن التشكيلي، والعيش في مناخ يقدس اللوحات الفنية، وفيه عدد من مشاهير الفن التشكيلي في مختلف العصور، وهكذا سافر لؤي الشاب إلى روما ليدرس الفن في بعثة حكومية، فكان زميله فيها فاتح المدرس، الفنان العربي السوري.‏

صداقتنا‏

عرفت الفنان لؤي كيالي بعد أكثر من 25 سنة على مولده، عندما جاء إلى دمشق، واتصل بالصحف التي كانت تصدر وقتئذ، وكان ذلك أيام الوحدة بين مصر وسورية، وكنت أشرف على صفحات الأدب والفنون والمنوعات في جريدة الوحدة، وتوثقت بيننا صداقة، لم تخمد بعد أن سافر إلى إيطاليا في بعثة حكومية كان زميله فيها الفنان فاتح كما قلت، فقد كان يراسلني، وعندما يأتي في زيارات إلى سورية يزورني، ويحدثني عن دراسته ويريني شيئاً من أعماله، ولم أكن ضنيناً عليه بالكتابة عنه والتنويه بحيويته المشهودة المبكرة، يومها حدثني عن ملابسات إيفاده إلى إيطاليا في بعثة حكومية سورية، وعن والده الذي كان موظفاً بدائرة الكاتب بالعدل في حلب وعن أسرته، ووالدته «الصورة» التي تظهر فيها بالملاية مع أخته عليها التي توفيت وأخته زليخة التي هي زوجة الأستاذ فاضل السباعي، مد الله في عمريهما، ولم تظهر في الصورة أخته الثالثة غالية التي ولدت بعده بعام وتوفيت، بعد وفاته بسنة واحدة.‏

ولما أنهى دراسته في العاصمة الإيطالية روما وبحصوله على شهادة بتقدير ممتاز من أكاديمية الفنون الجميلة، عاد وأقام في دمشق، وبدأ يرسم بكثرة الوجوه التي يلتقي بها في قاع المدينة، وبين الطبقات المسحوقة، وأقام عدة معارض فردية كرسته كرائد من رواد الحركة التشكيلية في سورية.‏

يرسم البورتريه..‏

كان يرسم «البورتريه» ويتقصد أن يخلق في رسومه بعض التشويه الذي يلائم طبيعة ما يرسم ومن يرسم، ومن وهج هذا القبح والتشويه المقصودين كان يعبر عن انحيازه إلى الطبقات الفقيرة والمحرومة، وقد أهداني لوحتين، إحداهما لبيت أمام شاطئ البحر، يقف أمامه شاب من طبقة مسحوقة، ولوحة أخرى لشاب في ريعان صباه المطفأ بهموم الحياة، وقد شكرته وأحتفظ باللوحتين إلى اليوم.‏

النكسة أمرضته..‏

على أن مأساة لؤي كيالي بدأت بعد نكسة حزيران عام 1967، فقد تبدل بشكل لافت، لكنه أنتج معرضاً يعبر عن هذه النكسة اسماه «في سبيل القضية» أقامه في المركز الثقافي العربي في «أبو رمانة» يومئذ خيل إلي وأنا أحضر معرضه هذا أنه قد تغير شيء فيه لقد بدا مهموماًَ، مضطرب الأفكار، ومن عجب أنه في الندوة التي أقيمت تعليقاً على المعرض، هاجم مدير الفنون التشكيلية، يومئذ الأستاذ طارق الشريف وهاجمني ناسياً صداقتنا وحبنا له، يومئذ أدركنا أن لؤي كيالي يعاني من أزمة عصبية كبيرة لكن هذه الأزمة زادت من موهبته، وأكسبته بعداً جديداً في الرسم.‏

ترك وظيفته..‏

بعد ذلك أنهى علاقته بكلية الفنون الجميلة كأستاذ من أهم الأساتذة فيها ترك مكتبه وطلابه، بعد أن تحكمت فيه سوداوية عجيبة، وعاد إلى حلب ليقيم في غرفته لايبرحها، يدخن بشراهة وينام معظم الوقت كأنه كان يود نهاية ما لحياته.‏

نصر عام 1973‏

بعد نصر عام 1973 الذي أحرزه جيشا مصر وسورية، وتحرير القنيطرة كنا ننتظر أن يفعل هذا الحدث الكبير فعله في عقل لؤي المملوء بالوساوس والهواجس والتخيلات، لكنه بقي على حاله ومضى في النوم والتدخين.‏

المأساة الأليمة‏

كان في سريره عشية يوم السادس والعشرين من كانون الأول عام 1978 عندما أغفى قليلاً فوقعت السيجارة المشتعلة على السرير وأحرقته وأحرقت معه الفنان العظيم الذي عاش 48 سنة فقط، ملأها بمئات اللوحات التي كانت سفيرة الفن السوري إلى العالم والتي تنبئ عن أن فناناً شامخاً قد أعطى وأعطى ما يزين جدران عشاق هذا الفن في العالم أجمع.‏

بكاه عشاق فنه..‏

عندما علمت الأوساط الثقافية بوفاة لؤي كيالي عن 48 سنة بكاه الناس، سواء أكانوا فنانين أم عاديين، فقد خسرت البلاد بوفاته واحداً من أشهر فناني العالم.‏

إن لؤي كيالي ليس بحاجة إلى الإطراء وفنه لا يعوزه الاستقواء بكلام النقاد، لكن لابد من إيراد قول لناقد كبير، حتى يعرف الناس مقدار أهمية هذا الفنان الذي اجتاز المحلية لا إلى المحيط العربي فحسب، بل إلى العالمية، ومع أنه لم يتزوج، فإن ابنتي أخته الوسطى، سهير وخلود فاضل السباعي قد تأثرتا به وصارتا رسامتين.‏

شاعرية حزينة..‏

يقول الناقد الإيطالي الشهير باولوا ميليو بوتشيني:‏

«لم يترك الفنان لؤي كيالي نفسه تنجرف وراء المظاهر المفتعلة، إن لوحاته تبدو كأنها محاولات صعبة، وعمل مستمر، لكنها لم تكن نتيجة عمليات عقلية جافة، لكنها نتيجة رغبة ملحة، تنبض بالحيوية والشاعرية إنه يجسد الإنسان في شاعريته وفي إطار حزين دائماً».‏

عاش لؤي كيالي ابن حلب الشهباء 48 سنة فقط ومات كأنه شخص من شخوصه التي رسمها فأبدع بإظهار مشاعرها التي هي في الحق مشاعره هو، محوطة بهواجس سوداويته، وهي الهواجس والسوداية التي جعلته، على الرغم منه فناناً سورياً عالمياً كبيراً.‏

لقد بيعت لوحته «مرقم الشباك» مؤخراً بما يعادل مليوني دولار.‏