الهروب من شبهة الحنين

يوسف أبو لوز

* دار الخليج






لم أكن أعرف هذه الطاقة السردية عند الشاعر الفلسطيني غسان زقطان إلا بعد أن قرأت كتابه العذب “عربة قديمة بستائر”، غلاف الكتاب في حد ذاته أشبه بقصيدة . الغلاف ليس لوحة تشكيلية تعبيرية جرياً على عادة بعض الكتّاب الذين يذهبون إلى اعتبار الغلاف بوابة للنص اعتماداً على عمل فني يلتصق إلى الأبد بالكتاب . هكذا وضع غسان، وأظنه هو الذي اقترح ذلك على الناشر، صورة فوتوغرافية على غلاف كتابه تظهر سيدة بثوب أسود طويل وحذاء أبيض بكعب متوسط تمسك بستارة وهي واقفة، وقد تدلت من عنقها سلسلة قد تكون ذهبية .

إلى حد ما ثمة “موناليزا” أخرى، امرأة مبتسمة وهادئة الجمال واقفة بثقة ودلال على وجه الكتاب . كتاب الشاعر الذي يدور في نصوصه حول مركز واحد . . الفرار من شبهة الحنين كما يقول، أو أنه “يتجول في ذكرياته” بدءاً من الصعود إلى القدس عبر كهوف ودروب أريحا المتعرّجة وهو يبحث عن مقبرة غامضة في دير، إلى حكاية عودة الشاعر محمد القيسي إلى بيت والدته حمدة في مخيم الجلزون، ليجد “كومة” من الأطفال ولدوا في البيت الذي أصبح الآن لعائلة أخرى غير عائلة القيسي التي لم تعد إلى فلسطين . . لم تعد إلى البيت .

كل مقطوعة في كتاب غسان زقطان “عربة قديمة بستائر” هي مقدمة لعمل روائي، ولكنه لا يمضي في سرده أبعد من نقطة معيّنة يتوقف عندها، ربما لكي لا يتوغل أكثر في شبهة الحنين .

يكتب غسان زقطان هذا الكتاب الحميم ليشكر، كما يقول محمود درويش . شاعر شفاف، غنائيته في خفة قوس قزح . كان درويش معجباً به ومحباً له . لكن غسان لم يكبر رأسه وينتفخ بطنه جراء مديح درويش لكينونته الشعرية . غسان بقي غسان . الشاعر الأسمر الوسيم ذو الصوت الدافئ والوجه النحيل والضحكة المقتضبة . يكتب النثر وقد فتح أزرار قميصه للهواء، أما عندما يكتب الشعر، فأتخيل أنه دافئ دائماً . أتخيل أنه يكتب قصائده إلى جوار موقد . عزلة صغيرة ولكنها مطلة على العالم كله .

فلسطين . انتظارها، وشبه العودة إليها، وغيابها في ضباب أحمر، الحنين الجارح، والأحزان الدفينة، والأشواق المكسورة . . تلك هي القصيدة الجديدة التي يعطيها غسان زقطان اسماً آخر، ويحملها على عربة قديمة .

قصيدة وامرأة بثوب أسود طويل على عربة بستائر . . هذا هو غسان هذه المرة .