في مجموعته الشعرية الجديدة "أسمّي الردى ولدي"
حبيب الصايغ يحنو على الحجر
في ديوان الشاعر حبيب الصايغ الأحدث (“أسمّي الردى ولدي - منشورات الانتشار العربي - بيروت، ط1/2012)، يلعب التأويل الاستعاري من خلال تركيبة الصورة الشعرية، والتفنن في صياغة الأمداء الممنوحة لها دوراً ملحوظاً، وهو الدور المستند إلى تجربة شعرية لافتة، إذ إن لديه تسع مجموعات شعرية، تبدأ ب”هنا بار بني عبس، الدعوة عامة”، وهي التجربة التي تتمثل في كيفية تطويع المفردة لذات الشاعر وليس لشخص ذي مركز اجتماعي وثقافي، هو حبيب الصايغ، إن هذا ينفصل، من جهة الممارسة الإبداعية عن ذاته الشخصية أو الوظيفية، من هنا يسهل تلمس ما ذهبتُ إلى تسميته ب”التأويل الاستعاري” ذلك الذي يتحرّى بقدر ما يتبين بنية المعنى المتحول كما هو نهر هراقليطس باستمرار، في خاصية الكلام غير المستقر .
إنها حِرفة البحث الدائب عن بدايات ما، عن أصول تضفي على المغامرة الشعرية ضروباً من الابتهاج عبر سلسلة من الإزاحات لمعانٍ قد تعلق بذاكرة قارئه الشعرية، ليجد نفسه في كل إعادة قراءة أمام أثر مستعاد، إنما في حلة مغايرة .
ذلك هو رهان الشعر في الديوان - القصيدة، أو القصيدة - الديوان، دون الشعور بوجود لهاث أو انقطاع في الأنفاس، وتلك ميزة معتبرة لشاعر القصيدة الواحدة الحائلة دون تحديد بداية ما أو نهاية ما لها، فأنت إذا تبدأ ب: “أسمّي الردى ولدي - وأسمّي الحجارة فلذة كبدي” حيث تستدعي هاتان الصورتان في أكثر من مكان معاً وتباعاً (في أكثر من موضع “سبعة مواضع تحديدا”)، وتتوقف عند النهاية الرسمية: وبالموت . . -حتى الخلد تلحقني يا ابتدائي؟- أردت أقول: وحتى إلى الخلد تلحقني يا ولد؟ . .”، إنما تكون بدايتك: نقطة ارتكاز في محاولة للقبض على معنى يعينك، بقدر ما يستمد مشروعة التحديد في التأويل المسمى من نص شعري محتفى به عبر طغيان السرد الاحتفائي . إنما احتفاء بأي معنى؟ احتفاء بالموت، وهي تغريبة الشاعر الباتعة، في إقامة عقد استثنائي بينه وبين الردى، وهو أكثر من الموت الجامد والمألوف، كون الردى يخرجنا من ديارنا، ويمضي بنا إلى الساحات في نزال لا يخفى موقعه أو مقامه الأثير، إلى معاينة وجوه من يشكلون صفوفاً من التعارضات والمجابهات، ليكون لدينا ثمن هذا الاستيلاد الدلالي للشعر، هذا التأويل الذي يتقمم “من القمة” خارج ما هو نطاقي: مغلق، أو محتوم بقراء معينة، أو بختام ما، طالما أن الشاعر وعبر ذاته الفضائية والطليقة هو على قدر إرادته الشعرية المحلقة، يمنح متخيله قدراً وافراً من التحليق، ومساحة ظافرة من الرؤيا في بنية العنوان وهو كالخميرة يذوب في مجمل الديوان، وفي وشائج قربى أمارة بالدهشة، لحظة تلمس هذا اليقين الشعري بوجود إمكان لإيجاد آصرة قرابة من النوع الاستثنائي: أن يكون الردى ولداً، وصحبة هذا النسَب الخاص: أن تكون الحجارة فلذة كبده، وبين الردى المستضاف والمحتفى به تالياً، باعتباره منجَباً، خلاف المألوف في الحياة اليومية، والحجارة التي لا تعرف إحساساً أو تعترف بشعور، كما هو السائد، يكون البون شاسعاً واسعاً، بين “بينين”: بين الردى، وبين الحجارة، إنماهو الوجه الأرقي غير المرسل لأحد باسمه، وغير المحرر بإمضاءة أحد بعينه، لهذا المنطلق الشعري: تعبيراً عن حياة مهدورة، وعن فوضى عارمة في لقيا الشاعر بواقعه الممتد جهوياً، كما لو أن هذا الرهان على الموت وعلى الجماد، خير ما يستهل به الشاعر حياته الفنية في ديوانه هذا، ليكون أقصى الوجع: أول الغيث المحمود . تلك لعبة الصور الشعرية التي تمثل في استرسالها عموم الديوان، فلا مجال البتة للفصل بين صورة وأخرى، كأنما جملة الديوان حملة الشاعر على أمر ما، لأمر ما، هو أمره في ما ابتغاه من “رداه” ومن “حجارته” ليزف معنى جديداً إلى ذلك القارئ المأهول بما هو شعري حقاً، فحذار في القراءة من الاقتباس واعتباره قائماً بذاته، إنما هو تموقع من باب الضرورة، وليس من باب الإمكان القائم الوحيد، في بانوراما الديوان الفتوح على الزمان والمكان، رغم أن للزمان والمكان صنعة التقرير في ولادة الاسم ودلالاته الحافة به” . . لو كنت يوسف كنت انتصرت - على رايتي - وهزمت الحقيقة - فما الحزن إن لم يكن وطني - فحاول معي - تعال نجدد رغائب إخوة يوسف في الكيد - أو نعتزل جنة الأرض - أو ننتحر مثلاً - أو نقل ما نقول - في اكتئاب الفصول .
إنه التاريخ الديني والاجتماعي والسياسي، ولكنه المجتمع المتدافع بما يتهدد ويتوعوده، وهو الشاعر بما يتملكه من عزم المعنى وإرادة العمران في تسمية المكابدات وتداعياتها وأهلها، ومن يكون الجدير بالحياة معه، أو إلى جانب من يسمّيه وهو يتمثله “يوسف” وليس في النقيض “إخوته” لأنهم مأهولون بسواهم من داخل المجتمع، ليكون الألم أكبر في التسمية، وفي الاستشعار عن بُعد، إشارة إلى حالة موات تعم الزمان والمكان . . وفي نوع من الهذيان في المكاشفة اللغوية، ولا ضير في المتاح منه، لأن ثمة معايشة لعنف متجذر في ما لا يمل من العودة إليه أو استعادته، في لازمة موظفة خير توظيف، فيكون الغريب بين أهله، والمأهول بمحبة أهليه، كما هو المترع بأوجاع لغتهم، بقدر ما يكون الباحث عن بقعة ضوء في نهاية نفق مترامي الأطراف، ليستمر الشعر في حركة الماء المفتوحة” .
“أسمّي الردى ولدي - وأسمي الحجارة فلذة كبدي - وأسميك يا لغتي لغتي - وأسميك منفاي - ليت دمعي معي” . . ترى ماذا يصنع الدمع لمن دمه مهدور، وماذا يصنع الدم، لأن موته مقرر سلفاً، وهو المنسّب نفسه إلى عالم الموت والحجارة؟ إنها أهلة الحياة، أقصى الرهان عليها، وعلى الأهل، والزمان والمكان، وعلى ذات الشاعر وهي تتذوق مرغمة - مرات تترى في المحيط المجتمعي، بقدر ما يكون المردود هذا الحصاد الشعري اللولبي في مقاس كتابة القصيدة المفتوحة، لا بل والمقلقة والباعثة - أيضاً - على الحيرة في كل دفعة من الصور القادمة أو الناهضة بدلالات مرفقة، كما في الصفحة “66” تحديداً، إذ يجد القارئ نفسه أمام عمارة طوابقية مفتوحة على بعضها بعضاً” . . ولا امرأة للحنين، فهذا الحياد يقود إلى - ملل فاضح . ملل فاضح وصحيح . ملل فاضح وصحيح ومبتذل - ملل فاضح وصحيح ومبتذل وصريح . .” إنه أكثر من مصدر إقلاق لراحة قارئ اعتاد السكينة أو الربط الواضح بين جملة وأخرى، أو بداية ونهاية، إنما هنا، وكما هو الزمن المتحرر من سيطرة الساعة والدوام الرسمي، وضروب المواعيد، والنهايات المرتقبة . . إلخ، ليس سوى رغبة في الإطاحة بكل التواقيت المعلنة أو المتداولة، انتصاراً لحياة مأمولة على حياة لم تعد مأهولة إلا بنقيضها المهين، طالما أن جوارح الشاعر هي أعينه، وأعينه تسترجع من قمة الذاكرة الجمعية “زرقاء اليمامة” وكل صحبتها من التحذير والقيامات التي تتربص بمجتمعه الدوائر ولائحة التحذيرات في كل شاردة أو واردة شعرية، استعجالاً لإنقاذ قبل قيامة الطوفان أو فوات الفرصة “أحاول وصفاً - فتعصف بي فكرة المرض العاطفي - وترجعني فكرة الواجب الوطني - وبينهما أتمنى البقاء معافى - فيخذلني جسدي - وأسمّي الردى ولدي” .
نعم، إنه لمربك هذا التطواف الشعري، وفي الفضاء الرحب للمعنى، يكون الشاعر القيّم على موته الاحترابي، يكون القيّم المتبصر على حياته التي تتجاوزه بين أهله وناسه وحتى أمم أرضه، ليكون لدينا هذا الانصياع لموت لا يطاوع أحداً، الموت الرمزي والمكتشف والمدهش في آن، كما هي صنعة الشاعر وقابلية المتخيل لما هو مأثور جمالي عنه، أي عن موت يحفزنا على مقاربته لأن في الردى سر الحياة، وكأن الاستماتة في تمثل الردى، إماتة طقوسية، لإحياء، لطالما كان اشتهاؤه حافزاً إلى التحرك وتبصر الأخطر، كرمى الأوفر في الحياة “ . . وإني أحاول موتي، - وإني أرتب موج حياتي كما يوجب الظن - ولكن قبري - يؤبّنني كل يوم، ويكشف ستري . .”، بالطريقة هذه لا يكون مسك الختام، إنما مسك التفاعل مع موت قائم، مسك اكتشاف الموت والتعرف إليه، ليكون الميسور من الحياة بداية أخرى طال انتظارها، وأظن أن هذه النهاية الإجرائية، لهي بمثابة الكلمة الضائعة والمحتفى بها في “أسمّي الردى ولدي” كما هي قراءتي لها .







رد مع اقتباس