يطرح الكثير من الأسئلة المهمة
"ع أرض الغجر" رسائل ذات أبعاد سياسية ووطنية
لم ينفصل غدي الرحباني عن شقيقيه المخرج مروان والملحن أسامة في عمله المسرحي الجديد “ع أرض الغجر”، غير أن العمل شكّل قفزة وتحديّاً له كمنتج للمرة الأولى . للقصّة التي كتبها غدي في العام ،1985 وبقيت في الأدراج زهاء ربع قرن، ويجري عرضها على مسرح “كازينو لبنان” . حكاية عن الغجر وضع نصها وموسيقاها غدي بنفسه، وبالتعاون مع أسامة وابنه عمر .
يعتبر غدي الرحباني أن “عين الصحافي قادرة على اكتشاف اتجاه مختلف للوحة فنيّة، لا يلاحظه صانعها” . هكذا، يعلّق عند السؤال عن أبعاد مسرحيته الجديدة “ع أرض الغجر” . من هم الغجر وعن أي أرض تتكلم؟ هل يحمل العمل أبعاداً سياسية؟ يترك غدي للمشاهد الإجابة عن السؤالين الأوّل والثاني، ويهرب من السؤال الثالث بالقول إن “الفكرة مبتكرة والأحداث تحصل في حياتنا اليوميّة، بعضها لا يخطر على بال، والنهاية غير متوّقعة” .
ألف سؤال وسؤال يمكن طرحه على العمل الذي يحتمل تفسيرات مختلفة، وكلها تؤكد أن غدي أخذ وقته في رسم السيناريو، ولعله أفضل الأعمال المسرحيّة الأخيرة، كونه لا يستخدم التاريخ لتقديم الحاضر، بل يستنجد بشخصيّات من الواقع، لتقديم رسائل ذات أبعاد سياسيّة ووطنيّة . أغنية “ليش بدنا نسلب وطن مش إلنا” إلى ماذا ترمز؟ والحوار الدائر بين الأب وابنته، وقوله: “إذا حبيته بيصير عنّا أرض”، هل يؤخذ على بساطته بإشارته إلى القوم الرحّل؟ وهل يرمز الغجر إلى الشعب الفلسطيني الذي يطوف في البلدان العربيّة بحثاً عن أرض تحتضنه في انتظار حلم العودة؟
أكثر من مشهد، يعطي هذا الانطباع وأكثر من حوار يأخذنا في هذا الاتجاه . ربما الأمر لا يحتاج إلى كثير من التفسيرات ويمكن أخذه كما هو، فالغجر هم أولئك الذين منحوا الجنسيّة اللبنانيّة في عام 1994 . وإذا قررنا التحليل والعودة إلى لحظة انتهاء غدي من كتابة عمله في عام ،1985 قد يكون استخدام الغجر، مجرّد حجّة لكشف الممارسات السوريّة في لبنان، علماً أن الشخصيّة السوريّة الوحيدة الحاضرة في العمل هي “سعدو” (كريم الرحباني) غير أنه بحكم علاقاته ب”الزعران”، يجعل هذا الاحتمال مقبولا، كل هذا من دون أن ننسى النقد الموجه إلى قوى الأمن، باتهام بعض عناصره بتقاضي رشوة، والتعريج على عناوين تضرب على الوتر كالبطالة والتجنيس وعمالة الأطفال .
تتميّز التجربة بتفاصيلها وأزيائها (بابو لحّود)، وبرقصاتها (سامي خوري وفلكس هاروتيونيان ودانييل الرحباني)، وإن كانت الحبكة الدراميّة تعوزها الحجة المنطقيّة أحياناً . ومع ذلك، يشكّل “ع أرض الغجر” تجربة، يمكن البناء عليها بكتابة نصوص تستوحي حكاياتها من الحاضر بدل الغوص في التاريخ .
غسّان صليبا وألين لحّود يجتمعان للمرّة الأولى معاً على الخشبة في مسرحيّة “ع أرض الغجر”، قصّة عشق وغرام بين غسّان وألين اليوم، بعد “حكاية أمل” مع والدتها الراحلة سلوى القطريب قبل ثلاثين عاماً “1982” لروميو لحّود . يجيد غسّان ممارسة اللعبة المسرحيّة بامتياز، فعلاقته الاحترافيّة بالخشبة عمرها 25 سنة، منذ ظهر في “بترا” في 1977 للأخوين رحباني . أما ألين التي ولدت بعد “حكاية أمل” بثلاث سنوات (مواليد 1985)، وعرفها غسّان طفلة، فتحقق حلمها المسرحي بعد ثلاث سنوات من رحيل والدتها 4 مارس/آذار ،2009 مع العائلة الرحبانيّة وتحديداً مع غدي الرحباني، وليس كما خططت له أي في عمل مشترك مع والدتها على مسرح روميو لحّود .
هي “زينة” الغجرية المغرمة بالمغترب البرازيلي من أصل لبناني “سلفادو قزحيا حسين”، الآتي إلى لبنان لاسترداد أرضه، فيفاجأ بخيم الغجر تملأ المكان . فيثور ويغضب حتى تقع عيناه على زينة، فتولد قصّة الحب بينهما من اللحظة الأولى، غسان وألين نجمان من جيلين مختلفين صحيح، لكنه خيار أكثر من جيّد لغدي، فقد بدا الانسجام واضحاً بينهما . بين غسّان والمسرح عشرة عمر، وألين لا تستغرب المكان الذي نشأت في كواليسه طفلة، بل تتفاعل مع الممثلين بخبرة فنانة استعراضيّة صاحبة خبرة ونضوج فني .
رهان آخر للمسرحيّة، يتمثل في إسناد شخصيّة “ساري”، لطوني عيسى، الرجل الهارب من وجه العدالة والمكلف بحماية القبيلة، ويعد نفسه بالارتباط بزينة . تقمّص الممثل الشاب شخصيّة “الزعوري” بلباسه ومشيته، وحتى في نبرة صوته . إضافة إلى شخصيّة البصارة التي تقدمها مايا يمين، التي تمنت عدم مشاركتها في العمل، لتستمتع بمشاهدته . وبهذا تكون “ع أرض الغجر”، هي رهان ناجح على النجوم الشباب والمخضرمين .






رد مع اقتباس