قال ما ينبغي ان يُقال

غونتر غراس: الواقع الذي انطوى تحته صمتي كذبة تثقلني






لا يمكن فهم مواقف حائز نوبل الكاتب اليساري الألماني غونتر غراس من دون العودة الى آرائه السياسية التي نشرت على شكل مقالات في مراحل متعددة من سيرته المهنية ككاتب، فقد نشرت جريدة “ذا نيويورك تايمز” في 11 ابريل/نيسان الحالي تحت عنوان فرعي “آراءه ككاتب مواطن” ما يذكر بما سبق وأشار إليه غونتر غراس من مقالات سياسية تعبر عن خشيته على بلده ألمانيا من الضعف ما قبل هدم سور برلين، وإعادة توحيد الألمانيتين، فقد سبق أن انتقد غراس في مقالة له في عام 1961 بناء جدار برلين، وهو الذي كان يتمتع بشهرة كبيرة في ألمانيا الديموقراطية السابقة، كما تنبأ بانهيار المنظومة الشيوعية في أوروبا الشرقية، ووصفت “ذا نيويورك تايمز” دور غونتر غراس كمواطن كاتب وآرائه في سقوط جدار برلين وما بعده، وكانت “ذا نيويورك تايمز”، قد أشارت إلى هدم الجدار باعتباره نتاجا لانهيار المنظومة الشيوعة في أوروبا الشرقية التي نظر اليها غونتر غراس بوصفها الحدث الذي يعتبر الأكثر إثارة في القرن العشرين، ويجيء المقال ليعبر عن آراء غراس الأكثر جرأة في تناوله للمفصل السياسي ككاتب ويساري جريء يتبنى مواقف واضحة تجاه القضايا المصيرية التي تحصل في العالم .

الحديث عن غونتر غراس يستلزم جردة حساب لمناقشة الغبن الذي تعرضت له الثقافة الألمانية منذ أكثر من ستين عاماً، وهي التي في شقها الثقافي وتاريخها الفلسفي قدمت نتاجا هائلا من الفلسفات والطروحات الفكرية التي خدمت الثقافة الإنسانية، وقد عانت هذه الثقافة عبر تاريخها المعاصر، ما بعد الحرب العالمية الثانية من عقدة “المحرقة النازية” المعروفة بالهولوكوست، كما لم تعانِ أي ثقافة أخرى، ويبدو أن قدر المبدع الألماني كان على الدوام تقديم شروط الولاء لدوائر الإعلام الغربي والصهيوني، التي يجب أن تنبش في تاريخه الشخصي، كأنما هو محل اختبار نفسي صارم، بل كأنه وبسبب المحرقة التي هولتها وسائل الدعاية الصهيونية الحاقدة ذاتها، قد أصبح مطلوبا منه تقديم اعتذار علني لا لبس فيه أمام هالة اليهودي المتغطرس المشبوب بكل أدوات الحقد والغطرسة والذاتية المفرطة بأبشع أنواع الكراهية تحت دعاوى معاداة السامية التي تتردد بافراط مشين يهين العقل الإنساني، وهو الذي رفضه كتّاب مرموقون في ألمانيا وغيرها، ليس ابتداء بهرمان هيسه وكافكا وغيرهم، ف “هرمان هيسه” كما يؤكد الشاعر محمد لافي في مقالته “المعذب الألماني روح فاوست ووثيقة ميفستوفيليس”، وهو القومي الواضح والألماني الكلاسيكي، بوذي النزعة والشاهد على ألمانيا النازية وما بعدها، الذي قدم منتجاً زاخراً في الفن الروائي لم يتم قبوله في لائحة جوائز نوبل قبل تقديمه استنكارا للمرحلة النازية، وجرى على إثره تأويل كل كتاباته باعتبارها مناهضة للنازية بقدرة البروباغندا الطاغية رغم أن نصوصه كانت أكثر سلاسة إذا أخذناها في سياق النقد للإمبريالية الأمريكية الناهضة، وللفلسفات الرأسمالية، فحتى روايته “لعبة الكريات الزجاجية” التي كانت سبباً في فوزه بجائزة نوبل كانت أقرب إلى تعرية الطبقية النخبوية، اذ تبدو إشاراته أكثر وضوحاً نحو نخب النوادي الاقتصادية واتحادات البلدان الصناعية وربما يفضل بعضنا تشبيهها بالماسونية التي تستغل الأدب والفنون لخلق كائنات شبه فضائية منعزلة عن عوام البشر” .

ويؤكد لافي “ثم ها هو أحد أعتى أدباء ألمانيا وأطولهم باعاً في التأريخ الثقافي والاجتماعي الألماني مارتن فالزر” الموصوفة أعماله بأنها أفضل تأريخ للتطور النفسي للشعب الألماني على الإطلاق، ولكن ولمجرد أن الرجل خاطب مجتمع المثقفين الألمان عقب تسلمه أحد الجوائز بضرورة تخليص الأجيال اللاحقة من عبء نصف قرن من الشعور بالذنب، تم أسعار المرجل تحته وبدأ جلده كشأن لص سرق مذبح كنيسة في عهد صكوك الغفران” .

وعلى خلاف آخرين غيره فإن فالزر أو”بابا الأدب الألماني” لم يرتد يوما عن تقديم آرائه المستنكرة للتهويل الهولوكوستي وهذا ما جعله دائما خارج نطاق أي جائزة تقدمها جهات تسيطر عليها النخب الاحتكامية مثل جائزة نوبل التي إن منحت لألمان غيره، فلم تكن من نصيب أحد إلا”هاينري” بول و”هيرتا موللر” الفائزين بالجائزة لتأكيدهما على معاداة النازية في كتاباتهما، وهذا برأي اللجنة السبب الوحيد الذي يستدعي منح الجائزة على أساسه لألماني .

وبصدور روايته “طبل الصفيح” والشهرة العالمية له ككاتب وانتشاره على الصعيد الجماهيري مروراً بفوزه بجائزة نوبل عام 1999 التي تعبر عن مخاوفه من الماضي الألماني بمثل ما أشارت الى فظائع الحقبة النازية، كل ذلك انما يعبر عن شخصية أدبية لها وزنها في التاريخ الأدبي والسياسي، وهذا يشير بما لا يدع مجالاً للشك الى دور المثقف كصانع للأحداث، و”غونتر غراس” المؤيد لقضايا اليسار في ألمانيا، وهو المعروف بمناهضته لتدخل الدول الكبرى العسكري في أنحاء العالم إنما يعبر عن قناعة ذاتية راسخة تلقي ظلالاً على شخصيته وبالتالي فليس مفاجئاً ما جاء في قصيدته “ما ينبغي ان يقال” التي اثارت حفيظة الطبقة السياسية الحاكمة في دولة الاحتلال الصهيوني ذلك أن هذه القصيدة بمثل ما تنتقد سياسات “إسرائيل” التوسعية والاستيطانية هي موجهة بقدر متساو الى الداخل الألماني الذي لما يزل تحت تأثير عقدة المحرقة، وهي موجهة للمواطن الألماني البسيط الذي تعمل السياسة الألمانية على توجيهه بطريقة مبالغ فيها نحو عقدة الذنب وضرورة التعاطف مع هذا الكيان المبتز الذي يمارس بشاعة ممنهجة في السايكولوجية الألمانية التي يستثيرها غراس لتفكر بعمق في استمرار سياسة بلاده في بيع أسلحة متطورة لدولة الاحتلال واستمرار حالة الابتزاز الممنهج للشخصية الألمانية، تحت دعاوى معاداة السامية، وهو ما يتقاطع تماما مع شخصية غراس الذي وصفته الأكاديمية السويدية عند منحه جائزة نوبل للأداب “بأنه رجل من عصر التنوير” .

تدشين مرحلة جديدة

ما طرحه غونتر غراس في قصيدته التي يدشن فيها مرحلة جديدة تدعو الشعب الألماني للتخلص من عقدة الذنب تجاه “اسرائيل”، كما يشير الناقد فخري صالح الذي يعتبر هذه القصيدة الأولى من نوعها في الثقافة الألمانية والأوروبية، وهو طرح ربما يحفز لدى المثقف العربي بعضا من الجرأة لجهة التأكيد على فعالية مشروعه الثقافي في شقه الإنساني والنضالي وربما يؤسس لبناء رؤية واضحة من شأنها أن تفعل أكثر مما تقول في الكواليس، وربما، وهذا هو الأهم، أن تتمتع بالجرأة في مناقشة الدور السلبي للمثقف العربي، وهو يشعر بالدونية في المحافل والمؤتمرات الدولية، حين ينأى عن قصد وربما عن خشية وخوف من زج السياسي في الثقافي، وهي عقدة طالما عانى منها المثقف العربي نتيجة ظروف سياسية واجتماعية معروفة، ومثل هذه العقدة لا تقل شأواً عن عقدة المحرقة بالنسبة للمثقف الألماني، الذي بادر منذ سنوات طويلة في نزع لباس الخوف، وقول ما ينبغي أن يقال، كما هو شأن غراس وكافكا وهيسه، ومن دون نزع مثل هذه القيود في الثقافة العربية فسوف تظل ردة فعل المثقف العربي باردة على الأقل هذا ما يمكن تلمسه في التعليقات المكتوبة على قصيدة “غونتر غراس” التي وجدت ولا شك في ذلك تضامناً مع هذا الطرح الجريء في الشق الوجداني “على الأقل” ينقصه أن تبادر المؤسسات الثقافية العربية الى تبني مشروع مواز يهدف الى ردم الهوة بين الثقافة والفعل وتكوين رأي عام واحد ينسجم مع الطروحات والقناعات التي طالما نادى بها الشعراء والكتاب الحالمون في خندق الإنتصار لفكرة الحلم والرغبة في التحرر وفك أغلال الظلم والقهر .

مقاطع من قصيدة غونتر غراس، “ما ينبغي أن يقال” المترجمة عن الصحافة الألمانية .

لماذا أمنع نفسي من تسمية ذلك البلد الآخر

الذي يمتلك ومنذ سنوات -رغم السرية المفروضة- قدرات نووية متنامية، لكن خارج نطاق السيطرة، لأنه لا توجد إمكانية لإجراء مراقبة .

السكوت العام عن هذا الواقع

الذي انطوى تحته صمتي،

أحسه الآن كذبة تثقلني وإلزاماً،

في الأفق تلوح عقوبة لمن يتجاهلهما؛

الحكم المألوف: “معاداة السامية” .

لكن اليوم، لأن من بلدي،

وهو الملاحق مرة إثر أخرى

بجرائم لا نظير لها،

من جديد ومن أجل تجارة محضة

توصف بكلمة عجلى: تعويض فحسب

من بلدي هذا ينبغي أن تسلم غواصة أخرى

إلى “إسرائيل”

تكمن قدرتها في توجيه رؤوس شاملة الدمار

إلى هناك، حيث لا دليل على وجود

قنبلة نووية واحدة

لكن الخشية تريد أخذ مكان قوة الدليل،

ولهذا أقول ما ينبغي أن يُقال

لكن لماذا صمتُ حتى الآن؟

لأني اعتقدت أن أصلي

المدان بجرائم لا يمكن أبداً التسامح فيها

منع من مواجهة دولة “إسرائيل”،

بهذا الواقع كحقيقة واضحة،

لماذا أقول الآن فقط

كبيراً في السن، وبآخر قطرة حبر

إن القوة النووية “إسرائيل” خطر على السلام العالمي

الهش بطبيعته؟

لأنه ينبغي أن يُقال .