تشكيليو رأس الخيمة تحت "سقف متهالك" يهدد ثروة فنية غزيرة
" الخليج " زارت المرسم القديم ورصدت أوضاعه المتردية
يعاني الفنانون التشكيليون في رأس الخيمة من الحالة الإنشائية والخدمية المتردية للمرسم العام الوحيد في رأس الخيمة، والذي يحتضنهم ويجمع شملهم تحت سقف واحد، ويتيح لهم العمل والإبداع في نطاقه، ما يجعلهم يفتقرون إلى مقر متكامل وحديث للفنون التشكيلية في رأس الخيمة، يستوعبهم ويفسح لهم للعمل والإنتاج الفني في بيئة فنية حديثة، تليق بالمرافق الثقافية والفنية، التي توليها الدولة اهتماماً كبيراً .
“الخليج” زارت المرسم العام الوحيد في رأس الخيمة، الذي يستحق وصف (المتهالك)، حيث رصدت هموم التشكيليين من أبناء الإمارة، وتأثيرات الوضع الحالي على العمل الفني ومسيرة الفن التشكيلي في رأس الخيمة، وهو في الأصل مبنى سابق تابع لنادي الإمارات الثقافي الرياضي “نادي عمان” حينها، وجزء من مرافق النادي في موقعه القديم في قلب رأس الخيمة، ويرجع تاريخ إنشائه إلى عام ،1996 وكان آنذاك صالة خاصة لرياضة تنس الطاولة، قبل أن ينتقل إلى موقعه الحالي في “الظيت الشمالي”، فيما خلف وراءه المبنى الوحيد الذي بقي على قيد الحياة من مرافق النادي القديمة، ليشغله المرسم حتى يومنا .
عبيد سرور، مدير مرسم رأس الخيمة، وفنان تشكيلي معروف عضو مؤسس في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، قال: “الأوضاع الحالية لمرسم رأس الخيمة قد تؤدي إلى ضياع ثروة ثقافية فنية وطنية ذات قيمة عالية، بسبب ضيق مساحته، وحالته الإنشائية المتهالكة، وافتقاره للخدمات الأساسية والتجهيزات الفنية والمرافق الضرورية” .
وأكد سرور الرعاية التي تحظى بها الحركة الفنية في رأس الخيمة من قبل صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم رأس الخيمة، ومتابعة واهتمام سمو الشيخ محمد بن سعود القاسمي، ولي عهد رأس الخيمة، لاسيما قطاع الفنون التشكيلية، إلى جانب دعم اللواء الشيخ طالب بن صقر القاسمي، قائد عام شرطة رأس الخيمة .
ولفت سرور إلى توجيهات صاحب السمو حاكم رأس الخيمة بفتح أبواب مركز المنار التجاري وسواه من المرافق العامة والخاصة أمام الفنانين التشكيليين من أبناء الإمارة، لعرض نتاجاتهم الفنية، وتسهيل تنظيم المعارض الجماعية والشخصية للفنانين المواطنين، فيما افتتح سمو ولي عهد رأس الخيمة خلال المرحلة الماضية 3 معارض فنية لمرسم رأس الخيمة .
وألقى الفنان التشكيلي الإماراتي الضوء على رؤية صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي، التي تقرن التنمية الشاملة، اقتصادياً واجتماعياً وإداريا وخدميا، بالثقافة والفن والفكر، فيما تعد التنمية الثقافية جزءاً لا يتجزأ من عملية التنمية الشاملة .
وقال سرور: إن طموحات وأحلام تشكيليي رأس الخيمة تتمثل في تشييد مبنى جديد ومتكامل للفنون التشكيلية في الإمارة، يتميز بالحداثة والعصرنة والرقي، ليكون قادراً على استيعاب جميع الفنانين التشكيليين في رأس الخيمة، مع ضيوفهم والمتدربين من هواة الفن التشكيلي، في ظل الطاقة الاستيعابية المنخفضة للمبنى القديم، وليفسح المجال للفنانين للعمل والعطاء في بيئة حضارية مثالية، بما يليق بالحركة الفنية والثقافية في الإمارات، وبما ينسجم مع ما وصلت إليه الدولة من مكانة راقية في قطاعات شتى، وبما يتوافق والتنمية الشاملة التي تعيشها رأس الخيمة، ليتحول إلى بوتقة فنية حقيقية، ومنطلق للإبداع، وحضن واسع لفناني رأس الخيمة والإمارات بشكل عام .
ونوه بأن المرسم الحالي في رأس الخيمة لا يستوعب أكثر من 15 فناناً تشكيليا فقط يعملون في وقت واحد، في حين بات هذا المرسم القديم بيئة طاردة للفنانين، وهو ما انعكس على عضويته، إذ لا يزيد عدد أعضائه على 3 فنانين مواطنين من الذكور، و30 فنانة إماراتية .
وأوضح أن المرسم القديم يفتقر إلى مقومات أي مرسم حديث، ما جعل أحلام تشكيليي رأس الخيمة تصب في بناء مرسم حديث متكامل، بمساحة كافية ومرافق شاملة وضرورية، ليضم قاعة عرض، وصالة استقبال للضيوف، ومستودعاً للأعمال الفنية .
وتبلغ ذروة المفارقة، في أن مدير المرسم وعدداً من الفنانين من أعضائه يضطرون لتنظيفه بأنفسهم، يقول عبيد سرور: “لا غرابة في أن تشاهد أحدنا، بما في ذلك مدير المرسم، وهو يكنس أرضية المرسم، مثلما نحضر القهوة والشاي بأنفسنا، فضلا على افتقار المرسم لدورة مياه خاصة للسيدات، مع وضع بالغ السوء للمتوافر منها حالياً” .
الفنان التشكيلي ناصر أبو عفرا، عضو جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، أوضح: “المرسم التابع لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، ويعد فرعها في إمارة رأس الخيمة، يعاني افتقاره لأبسط مقومات العمل الفني التشكيلي الحديث، وغياب العناصر البديهية في المراسم الحديثة، مثل الطاولات والحوامل وسواها من مستلزمات العمل الفني التشكيلي، ورغم ذلك ينجح مرسم رأس الخيمة في فرض حضوره في الملتقيات الفنية المتخصصة، عبر المشاركة في المعارض الجماعية في مختلف إمارات الدولة، وتنظيم فعالياته الفنية الخاصة به” .
ويرى أبو عفرا أن المرسم غير مجهز لممارسة أشكال الفنون التشكيلية بالمفهوم الفني الحديث، لا مستودعات للأدوات والأعمال الفنية المنجزة، التي يقضي الفنانون الأعضاء أياماً طويلة في العمل لتخرج إلى النور، وينفقون عليها أموالاً من جيوبهم الخاصة لشراء مستلزماتها وإنجازها، فيما يفتقر أيضا لمطبخ لتحضير الضيافة واحتياجات الفنانين والضيوف، ولا حمامات صالحة أو مرافق صحية، وكل ذلك ضمن مساحة ضيقة للغاية تخنق الفن وأهله .
معاناة شتائية
المرسم يعاني أيضاً، والكلام للفنان أبو عفرا، من سقفه المتداعي، الذي تذرف منه مياه الأمطار شتاء، لتسقط على اللوحات والأعمال الفنية، ما يجعل هذه الثروة الفنية الوطنية عرضة لمياه الأمطار، الأمر الذي يؤثر في الألوان الزيتية والمائية فيها، مع تأثيره السلبي في الخشب، سواء في “البراويز”، أو في الأعمال التي يدخل فيها الخشب عنصرا ضمن مكوناتها، إضافة إلى تضرر بقية المواد الأولية، التي تدخل في مكونات العمل الفني، كالأقمشة ومواد الرسم والخامات الأخرى، مع التأثير السلبي للرطوبة العالية داخل المبنى القديم والمتهالك خلال فصل الصيف على الأعمال الفنية، ما يقود إلى تلف بعضها، لتضيع معها إبداعات الفنانين وجهودهم سدى، لافتا إلى أن بعض الأعمال الزيتية تستغرق أشهراً من العمل المتواصل من قبل الفنان، قبل أن تذيبها قطرات المطر .
ولا تقتصر معاناة التشكيليين في مرسمهم في رأس الخيمة على السقف والمرافق، بل تمتد إلى تشققات الجدران، ضمن مشهد غير حضاري لمرفق فني ثقافي عام، يعكس وجهاً من وجوه الثقافة الإماراتية والهوية الوطنية . ويلفت أبو عفرا إلى أن “أوضاع المرسم دفعت بعض الفنانين إلى هجرته إلى مراسمهم الخاصة” .
الفنانة التشكيلية الشابة صوغية صراي قالت إن وضع المرسم نفّرها من العمل والإبداع تحت سقفه، ما حرمها من التئام شمل الفنانين التشكيليين من أبناء الإمارة وضيوفها، والاجتماع مع أقرانها في الإبداع التشكيلي تحت سقف واحد .
بيئة طاردة
أضافت صراي أن الوضع العام للمرسم يفتقر للتنظيم، لقدم البناء وضيق مساحته وسعته المنخفضة، وأوضاعه الإنشائية المتداعية، ما جعل من المكان بيئة طاردة للكثير من الفنانين التشكيليين من أبناء رأس الخيمة، لاسيما من فئة الشباب، وبالتالي حرموا من ملتقى للمبدعين، ومكان يحتضن إبداعاتهم وأعمالهم الفنية، كما حرموا من مرفق فني حضاري يتيح لهم العمل والعطاء الفني في نطاقه، ضمن بيئة متكاملة وتجهيزات فنية وعصرية، في حين أن اللوحات مبعثرة في المرسم حالياً، بسبب صغر مساحته، وافتقاره للمرافق الخدمية والفنية الضرورية .
شيء من الأمل
يأمل الفنانون التشكيليون من أبناء رأس الخيمة من الدوائر الحكومية، المحلية والاتحادية، في الإمارة اقتناء الأعمال الفنية المتميزة، التي ينتجها فنانو رأس الخيمة تلك التي تعكس التراث الشعبي والهوية الوطنية والتاريخ الإماراتي، وتشكل نوعاً من التوثيق لفنون المنطقة وشخصيتها، وتستحق ذلك من الناحية الفنية والقيمة التراثية والتاريخية، ليصار إلى عرضها في مواقع عامة في مقارها وفي ميادين الإمارة أو في الجسور والأنفاق والطرق العامة، من باب دعم الفنانين الإماراتيين، في ظل ما يتكبدونه من تكاليف مادية لإنتاج أعمالهم، وشح الدعم الذي يلقونه من القطاعين العام والخاص .







رد مع اقتباس