القصتان الفائزتان بجائزة جمعة الفيروز
* دار الخليج
نسمة من الشمال
محسن سليمان
شمالاً كما يميل الطريق
تميل إلى جانب القلب
تسبقني بسيارتها الأنيقة، تجلس برزانة ولا تنظر إلى شيء محدد، تلامس المقود بإطراف أصابعها وتحركها على هوى فيروز، أحاول مجاراتها في ما تسمع، حيث تتحد الإذاعات جميعها على أغنيات فيروز كل صباح، أبحث عن صوت يطابق صوت الأغنية الصادرة من سيارتها، وذلك الكوبليه الذي يمدني بالحيوية كلما سمعته .
“سلملي عليه سلِّم . . ألو إني بسلم عليه” .
تقدمت بمحاذاتها ورفعت الصوت، التفتت إلي وندت منها ابتسامة عفوية، أصابتني برعشة جميلة مع نسمة هواء هبت من ناحيتها .
التقطت الهاتف وهزت رأسها بالنفي، عبرت عن مشاعر حزن أراه غير كثيراً من رزانتها، رمت الهاتف جانباً وضربت على المقود بقبضتها، لمت شعرها المنسدل على وجهها وظلت ممسكة به أعلى رأسها، تجمد الشارع من خلفها وضجت الأبواق، أطلقت شعرها وتنهدت، أراهن على أنها غير مبالية بما أحدثته من ازدحام، استغربت لما أصابها، اسكتت الأغنية وغيرت الموجة فوراً، يخرج صوت عنيف لا يتلائم مع نداوة الصباح، يتقطع الصوت مع ضعف الإرسال وتداخل الموجات .
تجدد الاشتباكات بين الجيش اللبناني ومنظمة “فتح الإسلام” في الشمال، لا أحد يلحظ بكاءها، ألحظه وأكاد أشعر بدقات متسارعة داخل صدرها، تأن في صمت، تفتح النافذة، تهب نسمات باردة من الشمال، تداعب خصلات من شعرها .
جمود غريب يكتنفها وهي في حالة من اللاوعي، تنظر إلى المرآة، ترفع حاجبيها وتنشف سيلان الكحل قبل أن يصل إلى خدها، تحاول تضميد جراحها التي أحسبها لم تبرأ بعد، تسرع، تتأوه، تتجاوز جميع السيارات وتتفاداها، تسبق الجميع وتختفي .
***
بضعة أيام مضت . والشارع يشكو غيابها، افتقدت روعة الازدحام وهي بجانبي، بقيت وحيداً أستمع إلى شدو فيروز وهي تغني عن لبنان هذه المرة .
“بحبك يا لبنان يا وطني” .
مساءً وعلى غير العادة رأيتها تضع وشاحاً بعلم لبنان وتعلق صليباً وسبحة لمرآتها الأمامية، رأتني وابتسمت، كانت تدندن بأغنية وتمسك بالمقود كما عهدي بها، وشعرها الحر يتماوج على غير تنسيق، كان وجهها هادئاً رغم الماكياج وانفها مدبباً كأنف فيروز، توقفت بجانبها نظرت إليها طويلاً .
فتحت النافذة وقالت:
“بكرة أول يوم في الأسبوع يا ويلنا من الزحمة”، لا أدري لماذا كلمتني أنا بالذات، قد تكون اعتادت على رؤيتي، لكنني أكاد أطير من الفرح .
***
صحوت في اليوم التالي على يد تهزني، كم كنت أمقت هذه اليد، لكنني الآن أشعر بالامتنان لها، قبل أن ينتهي الزحام، أرتشف الشاي وأخرج على عجل، حسن أنني أضبط وقتها قبل أن تخوض في الازدحام .
كعادتها، حذرة تريد الدخول إلى الشارع، تتأمل وجهها في المرآة، تكحل عينيها وتضع الحمرة وتمزجها بشفتيها، تحركت جميع السيارات، غادرت وتركتني مع زحمة الماكينات من حولي، لا أدري هل كانت طبيعية هذه المرة، أم أنها تهرب من أخبار ستحزنها، جميلة مهما كانت حالتها وتبعث التفاؤل في صدري، تغادر سريعاً، تتجاوز بخيالها كل مألوف وترحل، تتركني أنتظرها وحيداً رغم السيارات المكتظة، الشارع من حولي ضجيج لا أسمعه، لا أسمع سوى الصوت المنبعث من سيارتها، لا أرى أحداً سواها، أتحد روحياً مع أنغام أغنية لفيروز أسمعها للمرة الأولى .
“يا ناطرين التلج . . ما عاد بدكن ترجعوا
صرخ عليهم بالشتي . . بلكي بيسمعوا” .
كيف ستسمعني؟ لقد غادرت بأميال، ألمحها وكأنها تجلس بجواري، تثبت الحزام على صدرها وتعدل من جلستها، تبحث بين الإذاعات عن أغنية تفتقدها، أسألها متى تستقرين، لا تجيب، تستمر في البحث، هي لا تدري متى تستقر .
يمر الوقت سريعاً، أغيّر الموجة، يستمر القصف على مخيم نهر البارد .
أمنيات ترددت في خاطري، بعد أن هبت النسمات عبر نافذتي، أتمنى عودتها بأسرع وقت، تشحن ذهني أمنيات كثيرة .
أحبها هادئة .
أحبها آمنة .
أحبها تكسر الحاجز المتدلي أمامها .
* * *
على الطريق
ميساء الحاتمي
قسوة . . ضياع . . أنانية . . في الحقيقة . . لست أدري . . كل ما أعرفه أنني في أوج ضعفي . . في قمة حزني ويأسي . . تدمرني الذكريات من الداخل . . تجعلني هشة منذ ذلك اليوم الذي خرجت فيه صاروخاً مندفعاً وسقطت بكل قسوة على قارعة الطريق . . وأصبحت منذ تلك اللحظة حبيسة هذه البقعة بالذات ولا أقوى على الحراك بوصة واحدة . . أشهد شروق الشمس وغروبها . . أشهد الأيام الجافة والمطيرة . . أصبحت من تلك الساعة أداس على الأقدام المتعجلة كل خمس ثوا ن . . تهرع إليّ أفواج الحشرات . . وسرعان ما تبتعد عني بالسرعة نفسها التي أتت بها . . لا أدري إن كنْتُ نتنة الرائحة أم لا، لكنهم لم يسمحوا لي أن أتحدث معهم مطلقاً، لم أتعرف إلى أحد كل تلك المدة، ولم يُسمح لي أن أجري حواراً بريئاً على الأقل . . لكنني على الأحرى، استطعت أن أحفظ ماركة عجلات السيارات والدراجات وكل وسائل المواصلات التي تمر على هذا الطريق . . أصبحت الآن أعرف نوع السيارة، أو أخمن حالة السائق المادية عن طريق عجلات سيارته أحياناً . . وأيضاً أصبحت بارعة في الجزم إن كان من يقود السيارة ذكر أو أنثى . . وعن حالة السائق النفسية وطريقة قيادته والتحكم بتلك العجلات .
رغم صغر حجمي إلا أنني استوقفت الكثيرين ممن يمشون بخيلاء ويلاحظون وجودي . البعض يقرر أن يخطو بخطواته بعيداً عني عشرات السنتيمترات حتى لا ألتصق بحذائه الجديد أو الملمع بأناقة، وأعيق مشيته وخطواته، والبعض الآخر من النساء غالباً يمررن وهن يرفعن فساتينهن أو عباءاتهن الباهظة الثمن، حتى لا أوسخ تلك الملابس . . الغريب أنني لم أجد حتى الآن من يتجرأ أن يأخذني من تلك البقعة . . لا أدري إن كان سيأخذني معه أو أنه بكل تأكيد سيحملني بوساطة محارم ورقية ليحمي يده المعقمة ويرميني بأقرب سلة مهملات . . الحق أنني فعلاً لا أبالي، رغم قذارة المكان كما سمعت من ثرثرة المارة . . إلا أنه سيكون أفضل من المكان الحالي . . على الأقل لن أرى آلاف المخلوقات التي لا تراني أو تتصرف، وكأنها لا تراني . . على الأقل سأعرف كل من يشاركني تلك البقعة وسيتسنى لنا مع الأيام أن نتآلف . . أشعر أنني مركبة فضائية معطلة في إحدى المجرات السماوية وأصبحت ساكنة بين السماء والأرض . . أو بين الشمس والقمر . . والكون المجهول يسير من حولي بسرعة فائقة . . والكواكب تتطاير فوق رأسي . . سئمت هذا المكان . . سئمت المجهول . . سئمت التخمين عن أشياء أجهل حتى أسماءها الحقيقية . . سئمت التواجد في غير مكاني الطبيعي . . ومن عدم تلاؤمي وتأقلمي . . وكأنني قطرة زيت سقطت في قعر ماء . . سئمت الشعور بالخوف في كل ثانية حتى لا أداس من مئات الأقدام . . سئمت أن يتجنبني الآخرون وكأنني وباء . . أريد مغامرة أخرى . . حياة جديدة . . أشكالاً مختلفة . . ترى الملاك الموقر الراقد بداخلي . . أريد أن أمتلك مملكتي الخاصة، شعبها من يؤمن بي وبقدراتي الخارقة في زرع الحياة من جديد . . في تحقيق الأحلام الخرافية . . سئمت جداً أن أكون لا شيء . . لا يعقل أن الحياة أوجدتني فقط كي أكون مرمية على قارعة الطريق .





رد مع اقتباس